الجدران تنز رطوبة وقضبان النافذة ترسم ظلالها على الجدار المقابل.. والعرق كما الطفح الجلدي يلازم الزغب الخفيف المزروع على يديه، فها قد جاء موظف هيئة الكهرباء وقطع التيار الكهربائي صباحاً.. على ما يبدو لأن الفاتورة لم تدفع منذ أشهر.. لا ليس (على ما يبدو) بل بالتأكيد لم تدفع.. قال لنفسه..

يُخرج من بين الركام في الغرفة الأخرى مروحة صغيرة تعمل على البطارية علاها الغبار والصدأ ويمنحها الفرصة للعمل مجدداً بعد استقالة ليست بالطويلة لتبدأ بالعويل في أول الأمر ثم تعود إلى السكينة مطلقة في سماء الغرفة بعض الغبار وهواءً يشبه قلبه في ذلك الصباح..فالقلب المسكون بالذاكرة يواصل اجترار ملامح بعيدة عصية على النسيان.

. يلتفت إلى تلك الصورة التي يحتضنها الجدار ويبتسم بمرارة..لم يعد لدي ما أفعله..نعم لم يعد لدي ما أفعله.. وينهض متجهاً نحو المطبخ ليصنع لنفسه قدحاً من الشاي، يرفع قارورة الماء البلاستيكية ويدلق بقاياها في الإبريق المعدني المتشح بالسواد، وفي انتظار لحظة الغليان تبدأ يداه المرتبكتان بفتح العلب الكثيرة بحثاً عن السكر..

فلا يجد لتصبح تلك الكتل الصغيرة البنية اللون في الوعاء الذي كان مخصصاً لتقديم السكر هي الخيار الوحيد، وبعناية شديدة كما صائغ الذهب يبدأ بواسطة الملعقة الصغيرة بالطرق على هذه الكتل لتتحرك وتتكسر في مكانها.. ربما لم تكن كافية ولكنه قال لنفسه مبتسماً بسخرية: يجب على الإنسان أن لا يكثر من تناول السكر حرصاً على صحته.

وعندما بدأ تصاعد البخار وضع في كوبه كيساً من الشاي وحمله عائداً أدراجه إلى الصالة وقبالة الصورة المسجاة على الحائط أشعل سيجارته وأخذ يرتشف قدحه، حاول تجاهل نظرات صاحبة الصورة بإطلاق دخان كثيف من سيجارته ليصنع حاجزاً بينه وبين عينيها اللتين تلحان بالسؤال.. إلا أنه سرعان ما يتبدد ويُطل السؤال مجدداً من عينيها..

ـ لم أنسَ، صدقيني، ما فعلتموه جميعاً لأجلي.. فكيف أنسى رفض شقيقتي شراء بزة جديدة للمدرسة لتوفر لي ثمنها، ووالدي الذي اكتشفت أنه كان يكذب علي عندما كان يبرر غيابه بالسهر مع أصدقائه، حيث كان يعمل فترة ليلية في معمل للملابس كي يضع في يدي مبلغاً قبل الرحيل..

و ـ ماذا تقولين، طبعاً مشهد جدتي لا زال حاضراً في ذاكرتي وهي تومئ لي للاقتراب منها فيما كانت قد بدأت رحلة البحث المضني في ثنايا ملابسها عن تلك الصرة الصغيرة الملفوفة عشرات المرات محتضنة ثروتها التي اقتسمتها معي.. عشرة دنانير وخمسة وأربعون قرشاً يا حبيبي لكل منا، فضحكت وقلت لها: ولكن الصراف لا يقبل المبالغ الصغيرة يا جدتي.. وقبل أن تعيد وضع الصرة إلى ما كان عليه ألقت برأسها على كتفي قائلة: لا أدري إذا ما كان في العمر متسع لأراك مجدداً يا جدتي، وبكت كثيراً..

وكيف أنساها وهناك دائماً ما يذكرني بها فتلك البذلة الرمادية معلقة أمامي دائماً، وما زلت أذكر كيف أحضرتها في ذلك اليوم، وأصرت على رؤيتي وأنا أرتديها: كأنك «سمير» يقف أمامي في هذه اللحظة، وعانقتني مطولاً.. وبكت.. ولم تنس أن تذكرني قبل أن تغادر بأن أدعو له بالرحمة... لله درك يا أم عمر كم اشتقت إليك.. ولكن.. ولكن لماذا لم تسأليني عنك..

ـ لماذا تتهربين من السؤال.. أنت دائماً تهربين من الأسئلة.. تطرحين الأسئلة.. وتهربين منها.. هذه هي عادتك.. ولكنك ستبقين دوماً جرح الذاكرة الراعف ولن أنسى ذاك الموقف قبل رحيلي بيومين عندما استوقفني الصيدلاني وسألني عن استبدالنا له لشراء دواء «الربو» لك بصيدلية أخرى.. وعندما سألتك تجاهلتِ الموضوع، إلا أنني سمعت لاحقاً سلسلة تكاد لا تنتهي من موجات السعال في المنزل، وفي لحظة الوداع دسستِ في جيبي مبلغاً كنت الوحيد الذي يعرف مصدره..و.. وسعال ودموع كثيرة رسمت المشهد الأخير بيني وبينك..

ـ يا أمي هناك محاولة أخيرة لإيجاد عمل آخر بعد أن فصلت من السابق منذ ستة أشهر وأرجو أن أوفق. ويخرج «بشار» من المنزل تشيعه نظرات حانية متجهاً إلى لا مكان ربما.. ويسأله صاحب الدكان (ربما ليذكره بما تراكم عليه من ديون)..: لماذا أنت محمر العينين رفيق؟.. ورد وهو ينظر نحو موظف مؤسسة الكهرباء الذي كان يواصل قطع التيار عمن تخلفوا عن الدفع .

ـ لقد نسيت.. نسيت أن أنام.

خالد اللوباني