أدار محرك الشاحنة مطلقاً العنان لعجلاتها تنهب الأرض بسرعة كبيرة متوازية مع سرعة ارتحال الذاكرة في الأمكنة القريبة والقصية تطحن رحاها الأحداث والوجوه التي كانت حاضرة معه في الليلة الماضية وكل الليالي الماضية والمقبلة أيضاً..

ـ تمهل قليلاً، هل سترحل بهذه السرعة دون أن تودعني؟

ـ عذراً منك فما حدث أفقدني اتزاني وقدرتي على القيام بالواجب الأهم.. بكى كثيراً وقبّل يديها ثم صفق الباب خلفه لا يلوي على شيء، مستسلماً لاهتزازات السيارة وقفزاتها شبه البهلوانية وهي تعبر شوارع منطقتهم الجديدة المكتظة بالحفر..

ـ أرجوك يا أبي لا تفعلها، فلن يتبقى لنا شيء .

ـ ليس الأمر مرتبطاً بالرغبة يا ولدي، فالضرورة تحتم عليّ فعل ذلك.

ـ أي ضرورة هذه التي تجعلنا نضع مصير أسرة كاملة لصالح فرد واحد منها

ـ سأقول ما قاله «الكسندر دوماس» في (الفرسان الثلاثة) الكل للواحد والواحد للكل، وأنا متأكد بأنه سيعوضنا عندما ينهي دراسته في الخارج..

زعيق عجلات الشاحنة كان كبيراً عندما ضغط «سليمان» على المكابح لدى ظهور كوكبة من الخراف أمامه وبشكل مفاجئ كانت تقطع الطريق بتؤدة وأنفة شديدتين، ولم تنجح المفاجأة التي كادت أن تكون نتيجتها كارثية في منع الشاحنة.. والذاكرة من استئناف الرحلة من حيث انتهت.

ـ من يكون هؤلاء الأشخاص يا أمي؟

ـ لقد جاؤوا لتنفيذ القانون وإخلائنا من المنزل بعد أن عجزنا عن دفع مبلغ الرهن

ـ وأين والدي؟

بصوت خنقته الدموع .. في المستشفى يصارع الموت

وما هي إلا أيام قليلة حتى غادر الأب بعد أن أدرك أن المعادلة لم تكن مكتملة: فالواحد لم يكن للكل!!

بشكل آلي أوقف الشاحنة أمام إحدى الفلل قيد الإنشاء التي تغص بها المنطقة وأطلق العنان للمنبه الذي جعل صوته المعروف ثلةً من العمال يتدافعون مسرعين لإنزال حمولة الشاحنة من الأسلاك والوصلات الكهربائية التي كان قد أحضرها من مخزن الشركة في إحدى المناطق التي تبعد عن المدينة، وبشكل آلي قاد الشاحنة في طريق العودة يسابق الريح للوصول إلى المخزن الذي كان يدخل في ذمته ليلاً كحارس له عندما يغادرون جميعاً ..

لم يكن الواحد للكل .. فهاهم جميعاً قد غادروا وتركوه ووالدته يصارعان في دروب الحياة بعد أن هجر مقاعد الدراسة صغيراً لمساعدة والده في المحل الذي كان رأسمال العائلة والمصدر الذي جعلهم يحملون شهادات عليا منحتهم أسباب احتقار غير المتعلمين أمثاله، وجعلت خياراته في العمل محدودةً ليقبل بوظيفة حارس ليلي وسائق شاحنة نهاراً لدى شركة مقاولات بناء براتب غير مجزٍ..

غادر الجميع وبقي «سليمان» وحيدا في معسكر الشركة، وكما يفعل كل يوم قام بإغلاق جميع الأبواب مختتماً ذلك بالبوابة الرئيسية، ثم ألقى بنفسه على السرير الوحيد في غرفته التي لا تضم مفردات كثيرة.

ـ ها قد عدت بمبلغ طائل يا أمي وسأعوضك عناء السنوات الماضية

ـ أتمنى عليك أن لا تنسى أشقاءك، فالدم لا يمكن أن يتحول إلى ماء بسبب تجربة واحدة أليمة.

ـ صدقيني يا أمي بأنني نسيت كل ما فعلوه معنا

ـ أنت طيب دائماً كما عهدتك يا ولدي..و.. يستفيق على صراخ مدير الشركة: عملك أن تسهر على مصالح الشركة وتمنع سرقة المواد من مخازنها لا أن تنام وتسهل مهمة اللصوص، وصرخ عندما تنهي الإجراءات مع الشرطة لا أريد أن أراك ثانية.

خالد اللوباني