الغَيْب هو كلّ ما غاب عنك، وقوله تعالى (الذين يُؤمنونَ بالغَيب) البقرة 3 أي يؤمنون بما غاب عنهم، ممّا أخبرهم به النبيّ صلّى الله عليه وآله من أمر البَعْث والجنّة والنار. وورد في لسان العرب لابن منظور: الغَيْب كلّ ما غاب عن العُيون، وإن كان مُحصَّلاً في القلوب.

فالإيمان بالغيب يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والقدر خيره وشره.. قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) البقرة 285 والإيمان وحده في اللغة معناه التصديق بالقلب، ولكنه في الشريعة الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح.

إن الإيمان بالغيب هو إيمان بالله وكلما كان الإيمان بالله أقوى تبنى الشخصية في رسوخ وثبات لان أساسها هو العقيدة بوجود خالق وراء هذا الكون ووجود شيء لا ندركه كقوله تعالى (لا تدركه الأبصار).. فالإيمان كلمة جامعة لكل خير تقر لله بالعبودية وتصدق هذا الإقرار بالأفعال.

وسمي المؤمن مؤمنا؛ لأنه يؤمن نفسه من عذاب الله، والله تعالى من أسمائه المؤمن؛ لأنه يؤمن العباد من عذابه، وقد وردت أدلة كثيرة تدل على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان لا يكون بدون العمل؛ كقوله تعالى: (..وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهم يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ). الأنفال 3 ـ 2

وكقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ). الحجرات 15.

وكقوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). النساء 65

وقد اختلفت عبارات السلف في الإيمان بالغيب..فقال بعضهم: معنى يؤمنون بالغيب: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت، وبالبعث، فهذا غيب كله، وقال بعضهم: (الغيب ما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار، وما ذكر في القرآن). وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «الغيب ما جاء من الله تعالى».

وقال سفيان «الغيب القرآن». وقال عطاء بن أبي رباح «من آمن بالله فقد آمن بالغيب». وقال بعضهم: «الإيمان بالغيب أي غيب الإسلام». وقال زيد بن أسلم «الإيمان بالغيب أي بالقدر». وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متقاربة المعنى، وجميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.

أحمد عبد المجيد