مازال الجدل مستمراً مع استمرار تضارب وفوضى الفتاوى في الوطن العربي، ويبدو أن هناك إصرارا من البعض على الاستمرار في إصدار الفتاوى دون أن يكون مؤهلا لها أو ملما بشروطها على الأقل. العلماء أجمعوا على أن الأمر يحتاج إلى وقفة جادة من علماء المسلمين في كل بقاع الأرض، ومؤكدين أن من يفتي لابد أن يكون هو الحافظ لكتاب الله، والعالم بسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن يكون تقيا ورعا، وأن يعلم المفتي نفسية المستفتي.

الدكتور أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر مفتي مصر السابق أكد أن الفتوى هي رأي فقهي في الحكم الشرعي الإسلامي من خلال اجتهاد المجتهد في فهمه للكتاب والسنة، ومن ثم دراسته للواقع ليقارن بين مضمون النص وحركة الواقع ومن الطبيعي جدا أن يمثل الواقع السياسي موقعا يمكن للمشرع الإسلامي أن يعطي رأيه فيه إلا أننا نرفض أن تتحرك الفتوى بالطريقة الاستهلاكية السطحية التي يحاول البعض أن يوظفها بهذا النهج السياسي أو ذاك.

وأشار الطيب الى أنها توضح لهم الأمور الفقهية التي يصعب عليهم إدراكها بحيث يكون المفتي هو المسؤول عن فتواه، ويجب أن تقتصر الفتوى على علماء الأزهر وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية والمجمعات الإسلامية والابتعاد عن شيوخ الفضائيات الذين يصدرون فتواهم مباشرة، وهو ما يعرف بالفتوى المباشرة التي كثيرا ما تنعدم مصداقيتها. الطيب يرى أن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج لأن تقوم الأقطار الإسلامية بسن تشريعات حاسمة لتجريم من يتصدون للإفتاء، وهم غير مؤهلين لها، فضلا عن إعداد برامج لتوعية المواطنين بخطورة هذه الفتاوى.

وتحدث الدكتور علي جمعة ـ مفتي مصر مؤكدا أنه مع تزايد الفضائيات أصبح من الصعب السيطرة على المتصدين للفتوى، لكن السبيل الوحيد للتصدي لهذه الفتاوى الغريبة يتمثل في تعاون العلماء لبناء ثقافة إسلامية تميز بين الغث والثمين، حتى يعرف المشاهد أو المتلقي أن هناك آراء شخصية لبعض المتحدثين في هذه القنوات، لكن لا يمكن القول إنها فتاوى شرعية، لأن الفتوى لا تؤخذ إلا من أهلها من العلماء الثقات المشهود لهم بالورع والتقوى، وبالتالي إن خرجت الفتوى من غير المتخصصين فهي مجرد رأي قد يحتمل الصواب أو الخطأ، ويكون الحكم باستفتاء أهل الفتوى.

المفكر الإسلامي الدكتور عبد الفتاح عساكر يقول إن للفتوى دورا مهما في حياة الناس لتوضيح الحلال والحرام في المسائل الفقهية المعقدة إلا أنه في الأيام الأخيرة أصابتنا موجة من الفتاوى الغريبة لأن من يقومون عليها غير مؤهلين فقهيا لإصدارها، وبناء على ذلك يجب أن تقتصر الفتوى على الجهات المعنية بالإفتاء في الدول العربية والإسلامية.

فمؤهلات المفتين تحتاج إلى علم كبير، وثقافة واسعة بمقاصد الفقه والشريعة الإسلامية.فيما وصف الدكتور عبد الفتاح إدريس ـ رئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالأزهر الفتوى بأنها رأي شرعي مستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية في أمور ومسائل لا يعلم بها الإنسان العادي سواء كانت حلالا أم حراما، والمفتي مسؤول عن فتواه أمام الله عز وجل لأن الفتوى بمثابة الدليل الإسلامي لكل مسلم فيما يتعلق بأمور الدين والحياة.

ولذا يجب أن تصدر الفتوى من معنيين بها وقائمين عليها، وعلى من يقوم بالفتوى أن يكون ملما بكل علوم الدين من فقه وشريعة وأحاديث نبوية شريفة وكثير القراءة والاطلاع؛ معتمدا في إجاباته على نصوص من القرآن الكريم.أما د. محمد أبو ليلة ـ أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر فيؤكد أن الفتوى هي إيجاد حلول لمشكلات حادثة مستجدة نستقيها من المصادر الإسلامية القرآن والسنة والإجماع والاجتهاد، والفتوى قد تكون خاصة بفرد ما أو جماعة ما.

وقد تكون عامة تهم الجالية أو المجتمع ككل، والفتاوى لابد أن تختلف بحيث تراعي أحوال الناس والمستجدات.ويقول الدكتور عبد الفتاح الشيخ ـ رئيس لجنة البحوث الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية إن الفتوى تعني في حياة الناس استيعاب مطالب المجتمع المسلم بسبب ما حل به من آفات في الفكر وبدع في السلوك؛ فالفتوى هي بمثابة إرشاد للمسلم لتوضح له الحلال والحرام والتفسير الصحيح للمشكلة التي يعاني منها من منظور إسلامي.

وعلى المفتي أن يكون مخلصا لله تعالى في فتواه، ذا وقار وسكينة بما حوله من أوضاع، ورعا في نفسه ملتزما بما يفتي به متأنيا في جوابه عند المتشابهات، مشاورا غيره من أهل العلم مداوما على القراءة والاطلاع أمينا على أسرار الناس داعيا الله تعالى بأن يوفقه في فتواه متوقفا فيما لا يعلم.وعن الفتاوى الجماعية يقول الشيخ هي بمثابة رأي جماعي من هيئات الفتوى ومجالسها والمجامع الفقهية في القضايا المركبة والمعقدة، والتي تشغل المجتمع للوصول إلى معرفتها وإدراك حكمها.

وقال د. جمال قطب ـ رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا إن على من يتصدى للفتوى أن يكون مؤهلا، وعلى إلمام في نفس الوقت بنفسية من يطلب منه الفتوى، مشيرا إلى أن وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة لها دور كبير في نشر الوعي بين المسلمين ونشر الثقافات المختلفة، خاصة أن العالم في هذه الأيام أشبه بقرية صغيرة يسهل الاتصال بجميع جوانبها، موضحا أن الفتاوى في حد ذاتها تكليف لا تشريف، فلا يتصدى للفتوى إلا من هو أهل لها فإذا تصدى للفتوى أهلها فإنها ليست بحاجة إلى مراقبة لأنها صدرت من متخصص يعلم حقيقتها.

معلومات

من يتحدثون عن تغيير البعض لفتاويهم نتيجة ضغوط ما عليهم أن يعرفوا أن الفتوى أمانة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من سنَّ سنة حسنة فله أجره وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، ويقول صلى الله عليه وسلم «أجرؤكم على الفتية أجرؤكم على النار»، وكان ابن عمر يقول أتريدون أن تجعلوا ظهورنا جسورا لجهنم تقولون أفتانا بهذا ابن عمر.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية