مستسلماً لنسيمات الهواء القليلة المشبعة بالرطوبة كان يجلس على أحد المقاعد المنتشرة على طول البحيرة، محتضناً آلة التصوير كما طفله الأثير لديه، فيما كان الدخان الكثيف المنبعث من سيجارته يشي باحتمالات غيوم رمادية في سماء تفكيره، واقتحمتُ عالمه مستئذناً منه مشاركته المقعد، ودونما اكتراث أومأ برأسه علامة على الموافقة، إلا أنه تحفز بشدة عندما سألته عن اسمه فقال
هل ستناسبني حضرتك، ممكن تعرفني بنفسك أولاً؟
أنا صحافي
اعتدل في جلسته وقال: أهلاً بك، ما هو المطلوب؟ـ
لنحاول الاستماع إلى همومك ومناقشتها إن وجدت
هي أكثر من أن تحصى
ـ قبل أن نبدأ، ما هو اسمك؟
أمجد وهيب
وما هي مهنتك؟
أنا محرج وخجل أن أقول لك بأنني مصور صحفي
وما سر الإحراج والخجل يا صاحبي؟
في الواقع لأن ذلك مرتبط بكثرة من يحملون هذه الصفة، ومن يعملون بها.
وهل يزعجك كثرة العاملين في هذه المهنة؟
ليس الأمر على هذا النحو، بل لأن غالبية من يعملون فيها غير مؤهلين.
ماذا تقصد؟
يعني أن العديد من العاملين فيها بالكاد حملوا »كاميرا« ترش ماءً قبل بدء عملهم.
إذا كان الأمر على هذا النحو كيف نجحوا في اجتياز الاختبار في أماكن عملهم؟
الأمر بسيط، ويرتبط بالتأكيد بجهل القائمين على اختباره بأصول المهنة وفنونها.
وما هو دليلك على عدم تمكن هؤلاء المصورين من المهنة؟
هناك شخص في الوسط الصحافي يعتبر نفسه حالياً الأول في المهنة، ذات يوم وقبل انتشار »الديجيتال« طلب نصيحتي حول سر احتراق ثلاثة أفلام معه، وبعد البحث اكتشفت بأنه يصور دون نزع غطاء العدسة، وكثير منهم على شاكلته.!
وهل هذا هو سر الدخان الكثيف المنبعث من سيجارتك ويحجب الرؤية بيننا؟
بالتأكيد لا، لأنني اعتدت على هذا الأمر.
ما الأمر إذاً؟
يبدو أن قرون الاستشعار لديك تعمل بأقصى طاقتها ولن تتركني قبل أن أخبرك، ورغم أن الأمر شخصي جداً فحزني متعلق باتصال هاتفي مع ابني الصغير في الوطن
أرجو أن يكون الأمر خيراً؟
لقد اتهمني بالكذب لأنني لم ألتزم بوعد قطعته له بأن يكون لديه في عيد ميلاده الذي صادف يوم أمس لعبة دب كبير من القطن ودراجة بثلاث عجلات.
ولماذا لم ترسل هذه الهدايا له؟
لقد تأخر الراتب وكنت أصلاً مفلساً بعد أن دفعت إيجار المنزل وفاتورة الكهرباء والماء وبعض الالتزامات الأخرى
ـ ألم يكن من الممكن أن تستدين من أحد الأصدقاء؟
ـ لقد فعلتها في أحد المواقف الصعبة وما أكثرها وكانت النتيجة أنَّ »فضيحتي أصبحت بجلاجل« حيث كنت أفاجئ أينما ذهبت بأحدهم يسألني: متى ستسدد (ديونك) إلى فلان؟ ومذ ذاك اليوم قررت ألا أستدين من أحد مهما كانت الأسباب.
ـ وماذا ستفعل إزاء هذا الموقف؟
ـ لا شيء سيمر كما مرت الأيام مع والدي عندما كنت طفلاً.
ـ وهل اتهمته بالكذب أيضاً؟
ـ مرات عديدة.
ـ وماذا حصل بعد ذلك؟
ـ عندما كبرت استطعت أن أفهم بأن والدي كان من أصدق الناس
ـ لماذا؟
نظر إلى بعمق وبتمعن، ثم انتصب واقفاً واتجه نحو السياج الحديدي الذي يزنر البحيرة واتكأ عليه وباشر بالتقاط الصور للشمس التي كانت تغرق تدريجياً في آخر المشهد.
خالد اللوباني
