جلس قبالة البحر مبللاً بدموعه، تسكنه الوحشة وتخيفه الأيام القادمة، فهذا الشاطئ الذي ألفه منذ نعومة أظفاره وتلك الرمال التي تعلم أن يبني قصوره منها، ستختفي من حياته، سيغادرها نحو عالم مجهول لا يعرف عنه الكثير ولم يألفه من قبل، بل لم يكن يتوقع أن يعيش مثل هذا الموقف الصعب، فأصدقاؤه الذين كان يسمونه حبيب البحر لم يتخيلوا أن يفترق يوما عن بحره، كانت أيام اللعب والدراسة تبدأ عند الشواطئ، فكيف به اليوم وهو يرحل حيث لا بحر ولا رمل ولا أصدقاء الطفولة ولا حتى أسرته التي سيتركها هنا.
كان محمود صديق طفولته قد حاول بكل الطرق أن يجد له فرصة عمل يستطيع بها تجديد إقامته، لكن شرط الخبرة يقف عائقا بوجهه وهو الذي تخرج منذ شهر فقط، بينما حاول والده أن يستعين بالأصدقاء والمعارف لإبقاء الفتى معه فهو لا يعرف الكثير عن بلده لكن كل الجهود كانت بلا جدوى.
ـ لقد عرفت أني سأجدك عند الشاطئ، فحين سألت عنك في البيت قالوا انك خرجت منذ ساعتين، كيف حالك يا صديقي اليوم؟
ـ أهلا يا محمود.
ـ هل تبكي؟ تماسك يا صديقي أنت رجل وستكون بخير فأنت تذهب إلى بلدك، وسأحاول جهدي أن أقدم لك على أية وظيفة لتعود مرة أخرى، هل أنت خائف من السفر؟
ليس السفر ما يخيفني، ولكني أعيش صراعا رهيبا، فأنا لا أعرف عن بلدي سوى بعض الرحلات الصيفية التي نقضيها في بيت جدي، وأشعر أن هذا هو بلدي الذي أحبه وأنتمي إليه، قد يكون من الصعب عليك فهم معاناتي فأنت ابن هذا البلد ولست مضطرا لمغادرته.
ـ لا أيها العزيز، أنا أعرف ما تعني فقد كبرنا سويا، وعشنا كل لحظاتنا معا، وأنا حين أسافر للاستجمام أعود بشوق كبير إلى بيتي ووطني، وأنت ستسافر ولا تعرف متى تعود وستترك بيتك وأسرتك وعليك أن تؤسس لحياة أخرى هناك.
ـ لا أدري لمَ لم يسعفني الحظ لأحصل على أي عمل هنا، هل تتخيل أن علي أن أفارق كل من أحببتهم هنا، بينما لا يربطني ببلدي أي شيء سوى جواز السفر، ولا أدري هي غلطة من؟ هل هي غلطة والدي الذي استغرق في العمل ولم يربطنا ببلدنا أم أنها غلطتنا نحن الذين تخيلنا أننا سنعيش هنا دوما ولم ندرك أن كل مسافر لا بد أن يعود، فتخيل أني الآن أعود ولكني أعود إلى الغربة في بلادي.
ـ لا تحزن يا صديقي ستجد أصدقاء وأهلاً ينتظرونك ويحبونك هنا، وستتعرف على أصدقاء هناك وربما تكون فرصة لتعرف بلادك التي ابتعدت عنها منذ البداية.
ـ هل تعرف أني صرت أتذكر أغنية فيروز التي تقول فيها ( يا خوفي يا قلبي تكبر بهالغربي وما تعرفني بلادي) أعتقد أن بلادي لا تعرفني لأني لا أعرفها أيضا.
ـ كما قلت لك قد يكون آن الأوان للتعرف على بلادك، ولاكتشاف الحياة في مكان آخر غير مسقط رأسك.
ـ ربما، أنت تهون علي الأمر لكنه ليس بالهين، فهنا ولدت وهنا عشت وهنا كبرت، لكني غدا سأكون بعيدا عن كل هذا، وليس باليد حيلة فهذا قدري وأنا اقبل به.
عاد إلى البيت وكان العشاء الأخير الذي يجمع الأسرة حزينا على الرغم من محاولات والدته تلطيف الجو، لكنه لم يكن يستطيع الأكل، فقال أبوه بصوت هادئ:لا تحزن يا ولدي فسنعود معك لقد فكرنا بالأمر، ووجدنا أن من الصعب تركك وحيدا هناك.
ـ ليست تلك المشكلة يا أبي فأنا سأفتقد وطنا بكامله، ولكن دع الأمر للأيام لعلّي أستطيع العودة إلى المكان الذي أشعر فيه بالانتماء أكثر من أية بقعة في الأرض.
دلال جويد
