»لكي تظلي على القمة .. يجب أن يكون هناك شيء جديد دائماً.. البدلة صممت خصيصاً لي .. وحان وقت بروفة الحفلة .. أراكن لاحقاً ..إلى اللقاء ..« »إلى اللقاء« وأنت يا سوسن هل ما زلت مصرة على الغناء؟ .. »بالطبع، لجنة التحكيم تصل اليوم لاختبارات الغناء النهائية، ادعولي، تلك المرة رفضوني بسبب الحجاب، ولكني ما زلت مصرة أنه لن يحول بيني وبين الجماهير« ..

على طاولة في أحد المقاهي اجتمعت النواعم العشرينيات .. ودار حديث هامس في شؤون الحياة والعمل .. والأحلام التي بدأت تضيء فرحاً وإيذاناً بالوقوف على أرض الواقع.. والخيبات التي تعرقل حريات تتجاوز -عرفاً- الخطوط الحمراء بأميال ..

تغادر عفاف لبروفة الرقص .. اليوم تحيي حفلة عرس نجل أحد كبار الشخصيات في المجتمع .. لم يمنعها حجابها من احتراف الحلم .. وتحويله إلى قناعة .. احتاج الأمر منها بعض الجرأة .. والقليل من التصادم مع الآخرين .. خطوة تكللت بتضامن صديقاتها المحجبات اللاتي سعين دون خجل نحو أحلامهن.. عفاف لا زالت محتشمة في نظرها .. فهي ترقص بالحجاب ولا ترى أبعد من سعادتها في ممارسة الحلم..

آخذة معها أماني من نوع مشابه لعفاف.. ترحل بعدها سوسن.. تلك التي لم يستحوذ عليها سوى طيف الغناء ولم تقلقها غير الطريقة التي ستقنع الآخرين بحجابها قبل صوتها.. وسواس الشهرة يفتك بها.. ولكنها تستند بقوة على موهبتها .. فهي تعتبر نفسها نغمة معاكسة في نوتة موسيقية نشاز.. وعلى يديها يبدأ التغيير المرتقب.

دخان سجائر ندى يملأ محيط الطاولة في المقهى الصغير ..

وهاجس الرشاقة يتملكها .. بينما التدخين هو الحل الوحيد .. للخروج من مأزق الفشل .. تبقى هي وعليا للحظات وتنصرف كل منهما نحو مشروعها الخاص، عليا مدربة سباحة، حاصلة على ميدالية ذهبية في منافسات عالمية، وأول سباحة محجبة تحصل على هذا النوع من التكريم بالرغم من أن »المايوه« في هذه الحالة إسلامي، والحجاب أمر أساسي لا يمكن التنازل عنه..

وحدها ندى .. لم تستطع الاقتراب من عالم لطالما انتابها سحره، وسيطرت عليها أجواؤه .. ولكنها في مواجهة مع نفسها .. ومع المرآة التي تكاد لا تفارق حقيبتها الصغيرة ..

والتي تلتهم ساعات اليوم في التأمل والتمعن في تقاسيم الجمال .. مليحة .. ذكية .. ممشوقة القوام .. أو كما يقال »غصن بان« .. يعني بالعربي مانيكان .. يراودها طيف عارضة تحترف عرض أزياء المحجبات .. ولكن عالم الموضة لا يستوعب حلمها .. وأصول المهنة تقتضي أن تستغني عن قطعة القماش التي تغطي بها حرير الرأس .. وتسدله ستاراً في وجه كاميرات المصورين ..

تبدو الفتيات متفقات في المبادئ .. فالحجاب فرض لا يستهان بتطبيقه .. ولكن الحياة مليئة بالأحلام.. التي لا تقبل إلا التحقيق .. يبدو أن طرقها وعرة .. يعترضها الأهل والنظرة المشككة.. فالتغيير ليس بسهولة الحديث عن الحال الذي آل إليه الحجاب في القرن الحادي والعشرين.. والإسلام العصري بين الإرهاب والحجاب الذي ترتديه عفاف أو صديقاتها .. فهي اليوم شخصية مشهورة .. نجمة احترفت حلمها وفرضته على الآخرين .. الذين تأرجحوا بين الرفض الصريح والمبطن .. تحيي أفراح المعارضين قبل المؤيدين ..

أما سوسن .. فما زالت تجر خيبات الصوت الحزين .. وحلم الغناء المقتول في مهده .. ومازال الحجاب أمراً مستهجناً على الفن وعشاقه .. يبدو أن الحجاب الذي خذل سوسن انتصر لعليا. التي وتوجت القصة بجولة جديدة في أعالي الحلم ..

فهي تؤسس أكاديمية لتعليم السباحة وتحرص على استقبال المحجبات وتنظم منافسات عالمية تشارك فيها المنتسبات.. تركن عليا إلى قصة نجاحها التي تراها كفيلة بالترويج .. ونموذجاً يستحق التعميم .. فاحترافها الجدير باعتراف الجميع جعل المدرسة تستقطب شريحة لا يستهان بها من المحجبات..

تبقى ندى .. التي تراجعت أحزاناً إلى الوراء .. وقعت في شباك القلق، والإخفاق.. وخسرت عرش الجمال، وانهارت بها مملكة الحسن بتأثير من الحبوب المهدئة .. والتدخين بتوابعه.. فالمليحة خسرت رهان الموضة.. واستسلمت للكآبة.

أمل الفلاسي