بحث الأرمل الثري جاسم عن عروس، فوجهه الخيرون إلى بيت أبي سالم، الذي سبق وفقد زوجته لكنه تزوج بأخرى لتهتم به وبابنته الوحيدة سلمى. كانت سمعة جاسم الطيبة وثراؤه واسطة عظمى فتحت الأبواب والقلوب، وهكذا جاء القبول، وعُقِد القران على ابنة أبي سالم اليتيمة، ثم أعلن الزفاف سريعا.

ومنذ الوهلة التي وقع فيها نظر الأرمل الثري على عروسه اتخذ قراره، اقترب منها وبياض لحيته ينافس بياض ثوبه المعطر، طأطأ رأسه قليلاً ليتحدث، لكن الكلمات ولت مدبرة نحو الأعماق، عاجزا عن إطلاقها وعاجزا عن كتمانها. وبهدوء المشفق المتألم أعاد جاسم النظر إلى الكومة الضئيلة السوداء التي أمامه، وهو يسمع وجيبا متخبطا شديداً، ومزيجا من أنفاس متعالية متقطعة لاهثة، وبدا أن هذه الكومة ترتجف من الخوف.

وبصوت يعلوه الوقار ويغمره الحنان رحب بالصبية، ولم ينتظر رد التحية لكنه طلب أن تتحرر من خمارها، ران الصمت لدقائق قبل أن تتحرك اليدان المرتعشتان وتكشف سلمى عن وجهها، وبطرف نظره استطاع أن يرى طفلة بائسة نحيفة لم يكرمها الله بمسحة الجمال.

لكنه عوضها بعينين واسعتين رآهما زائغتين وكأنهما وعاءين يحملان بؤس العالم الذي تلخص في معاناة هذه العروس ذات العشرة أعوام، فتساءل إن كان من الحكمة إعلان قراره في الحال، فيكون الحجر الذي سيلقي به في مياه الحي ويصبح قصة يتداولها الناس لسنوات، أم.. أن يستمتع بربيع لم يزهر بعد.

استرجع العريس أعوامه السبعين واستعرض أبناءه وبناته وأولادهم وأحفادهم، متسائلا مرة أخرى ما إذا كان من الخير الإبقاء على هذه الزوجة أم الرفق بها بإطلاقها وإعادتها إلى بيت أبيها، غلب الرأي الأخير على قلبه وعقله معا. أعاد غطاء وجهها في إشارة إلى إعفائها من الليلة الأولى، وانسحب خارجا بعدما ودعها لترتاح وتنام.

لم تجد الفتاة أرحب من نعيم الفراش الذي تجلس عليه، من دون مزاحمة إخوتها من أبيها، وغمرتها فرحة بأن تستأثر بالدفء وحدها حيث لا وجود لزوجة أب تنهرها للنوم في طرف الفراش فتعجز عن اغتنام جزء من لحاف يتشارك معها فيه عدد من إخوتها وأخواتها يتجاذبونه بقبضاتهم مجتمعة لينعموا بالدفء بينما تفشل قبضتها الوحيدة والضعيفة.

لحظات حتى غرقت الفتاة في أعماق النوم كطفل رضيع. لكنها نهضت مع الفجر، كما عودها سوط عمتها القاسية. أعدت العروس القهوة والإفطار، وجلست لا تعرف ما يجب عليها، لكنها انتظرت عودة الرجل من أداء صلاة الفجر. تهلل جاسم عند عودته حيث لامست رائحة القهوة أنفاسه وقد افتقدها منذ أن رحلت رفيقة العمر، أراد أن يزيح الرهبة فطلب أن تسكب له سلمى فنجالا من القهوة، بينما يحدثها عن نفسه، وأولاده.

والبيت الكبير، وعن عمله، وأملاكه، غير مبال إن كانت هذه الصغيرة تعي ما يقول أم لا؛ لكنه استمر في سرده، ثم قال: يا ابنتي أرى من الظلم أن تكوني زوجة لي، وقد قررت أن أعيدك إلى بيت أبيك معززة مكرمة، فخذي كل ما تريدين، وسأمنحك مالاً وذهبا، وسأرسل معك عدداً من الأبقار والأغنام يغني أبيك العمر كله.

وختم قائلا : هيا استعدي لآخذك لأهلك. ونهض بوقار العالِم تاركا الصبية وقد وقع عليها الكلام أشد من وقع أواني الطبخ التي طالما شجت بها رأسها زوجة أبيها. انتظرت بضع ساعات، ثم لحقت به وقالت: لا.. لا أريد العودة، دعني أعيش معك وأقوم على خدمتك، التفت إليها ورأى حجم العذاب ينهمر من عينيها فقال هامسا إذن... ولا تخبري أحداً.

وحين توفاه الله كان قد أوصى لها بجزء من أملاكه الطائلة. ثم كتب الله لها زوجا صالحا، فعرف الناس السر ولم يأخذهم العجب بقدر ما أخذوه مضرباً للمثل، لكنهم مازالوا يتحسرون عن نبلاء ذلك الزمان.

فاطمة الهديدي