عُصفورٌ يدُقُّ زُجاجَ النافِذةِ إيذاناً بقدومِ الصّباح.. شيء مّا في داخِلي يمنَعُني من النّهوضِ مُبكّراً، فمازالت الساعة تُشيرُ إلى الثّامنةِ والنّصف.. لا أدري لِمَ هذا التّكالُبُ المُدَبّرُ من قِبَلِ ساعتي البيولوجيّة! بارعةٌ هيَ في إيقاظي مُتأخّرَةً في صباحاتِ عَملي، ومُبَكّرةً جدّاً وقتَ إجازَتي..! لا أُصدّقُ أنّ هذا الحِوارَ يدورُ في رأْسي على وِسادَتي في صباحٍ مُبَكّرٍ كَهذا! يبدو بأنّه لا مَفَرّ من النّهوض..
خَرَجَتْ أُمّي والخادِمة لِقَضاءِ حاجيّاتِ المنْزِل، وغُرفَةُ الجُلوسِ هادِئَةٌ كَعادَتِها في ساعةٍ كهذه.. حَسناً، قَد يُغريني فنجانُ قهوةٍ برفقةِ الصحيفة، على الرُّغمِ من إنّي أَكْرَهُ شُرْبَ القَهْوَةِ وَحيدة. أَبي يقولُ دائماً أنَ الاجتِماعِ على المائِدةِ يفتَحُ شهِيّتنا لِلطّعام. وأنا مُنْذُ أَن احترَفتُ حُبَّ أبي، تقَلّدتُ توْصياتَهِ وأقوالَهُ ونصائِحَه.. وبِتُّ أبُثُّها في أيِّ اجتماعٍ للأسرةِ من دونِهِ حتّى لا يفقِدَ الاجتماعُ رونَقَهُ وأَلَقه.
الأخبارُ في الصُّحُفِ تَقِفُ على حافّةٍ مُخيفةٍ بينَ الحقيقَةِ والمُبالَغة! يَسلِبونَها قُوّتها عندَما يَقْتَرِفونَها كتابَة، في حينِ أنّ الواقِعَ لمْ يَمنَحْها شهادَةُ ميلادٍ بَعْد.. فتنتَحِر! تَسْقُطُ مِن أَعْلَى ولا يُعيرُها أَحَدُ أيَّ اهتِمام! يَجْرَحونَ كِبْرِياءَها مِن حيثُ لا يَعلَمون! قارَبَت السَاعَةُ على العاشِرَة، فَلأُفرِغ بَعضاً مِن مسؤوليّاتي مِن رَأْسي الذي امتَلأَ مُؤَخّراً بِأَكْثَرَ مِمّا يَحْتَمِلُهُ رَأْسٌ طبيعيّ!
أَوّلاً، تَجْديد عضويّة النّادي الصّحي الذي لَمْ أَزُرْهُ أكْثَر من مرّة! لَعلّي لا أُقابِلُ تِلْكَ المُوَظّفةُ المُتَمَلِّقَةُ هذا الصّباح، فَمِزاجي سيئٌ بما فيهِ الكِفاية! : مَرْحباً..، أهلاً و سهلاً.. كيفَ لي أنْ أخْدِمَك؟
لا شيء، فَقَط أُريدُ تجْديدَ عُضويّتي للشّهرِ القادِم، وهذِهِ هي الأوراق التي طّلّبْتِها مِنّي.
نَعمْ هذِهِ الأوْراقُ كافية، سأَتّصِلُ بِكِ حالَما نُنجِزُ بِطاقَتك. شُكراً. تُتْقِنُ دّوْرَها جيّداً هذِهِ المُوظّفةُ المُتمَلّقة، بالرّغمِ مِن إنّني لا أسْتَظْرِفُها بَتاتاً، إلاّ أنّها بارِعَةٌ في رَسْمِ ابتِسامةٍ جَديدةٍ عنْدَ كُلِّ لقاءٍ بِعَميلَةٍ جَديدة، مُتَحمّلَةً أمْزِجَةً مُخْتَلِفةً في سِتِّ ساعاتٍ كاملةٍ لليومِ الواحِد! ما بالُ النّاسِ مُستعْجلينَ هكذا! أُقْسِمُ لَوْ أنّ للسّياراتِ أجْنِحَةً لَـ طاروا بِها! عالَمُ الشّارِعِ هذا يَحْفَلُ بالقِصَص.. نحنُ بِحاجَةٍ إِلى أَنْ نكتَسِبَ ثقافةِ القيادة.. يَمُرُّ في هذا الشّارعِ ألفِ شخصٍ بسيارةٍ مختلِفة، ومِزاجٍ مُختلِف، وخلفيّةٍ ثقافيّةٍ مُختلفة، وأُغنيةٍ مُختلِفةٍ يسمَعُها كلاً منهم. يقضونَ في سيّاراتِهِم نِصفَ النّهارِ، ونِصْفَ اللّيْل.. أَلا يُضيفُ هذا الوقتَ شيئاً في تركيبَتِنا البَشَريّةِ المُعَقّدة؟
يَبدو أنّ مِشْواري لِدَفعِ مُخالَفاتي المروريّة يُثيرُ الأفْكارَ مِنّي و يَتَسَرّبُ إلى مُخَيِّلَتي مِن حيثُ لا أَعْلَم! أَشْكُر اللهَ أنّ قِسْماً لِدَفْعِ المُخالَفاتِ المُروريّة افتُتِحَ في الجَمعيّةِ التّعاوُنيّةِ القَريبَة.. المَكانُ مُزْدَحِمٌ جِدّاً.. الطّابِقُ الأّوَّلُ يبدو أَقلّ ازدِحاماً، أرى مكتَبَ المُرورِ من خلفِ الزّجاج، يَخرُجُ مِن هُناكَ شَخْصٌ غيرُ سعيد، في حين يكسو مَلامِحهُ الارتياح، يبدو أنّه دَفَعَ ثمنَ مُخالفاتِهِ على مَضَضٍ كما الجميع..
طاوِلَةُ استقبالٍ طويلة، مُوَظّفتانِ وآخَرٌ يُقابِلُ بابَ الدّخول: السّلامُ عليكم، بغيت أدفَع مُخالفاتي لو سَمَحت. يُشيرُ إلى المُوظفّة الأُخرى ويعودُ ليَستكمِلَ حديثَهُ مع الأُولى. أَبتَسِمُ اعتِذاراً عن مُقاطَعتي لحديثِهِم المُهِمّ، وألتَفِتُ إلى الأُخرى صاحِبَةُ الابتسامة الطيّبة.
الخُروجُ من هذا المَكانِ بعدَ دَفْعِ المخالفات أمرٌ مريحٌ فِعْلاً.. يَجِبُ أَن أَمُرّ من خلالِ ممرّاتِ الجمعيّةِ المؤديّةِ إلى المَخْرَج.. يُصادِفُني وَجْهٌ مَألوفٌ يبتَسِم. محمّد، المُحاسِب، يبتَسِمُ لِرُؤيَتي! مُدهِشٌ أنْ يُميّزَ شكلي بينَ الجُموع، وبالنّظارةِ الشّمسيّةِ التي لم أرتديها سابقاً في هذا المكانِ أيضاً.ألقيتُ عليهِ السّلام وبادلتُهُ الابتسامَ على عُجالَة حتّى امتدّت بي إلى الخارج، فهُناك دائماً نُقطَةُ فَرحٍ في نهايةِ الصّباحاتِ المُمِلّة!
حنان أحمد
