الشكوك التي تتجاذبه منذ أسبوعين وتجعل الأرق يسكن عيونه والهموم تعصف به بشكل ملحوظ لكافة المقربين منه لم تمنحه الشجاعة للبوح لأحد بما يعتمل في صدره.. فما الذي يمكن أن يقوله و.. وكيف سيشرح لأصدقائه ما يجول في خاطره.. فالقضية بكل المواصفات مشينة ولن يخرج منها نظيفاً في نظر كثير منهم مهما كانت النتائج، وستبقى سبة في تاريخه أمامهم والى الأبد..

فقد حمل الأثير له في اتصال هاتفي مع والدته تلميحات ذات مغزى حول سلوك زوجته الحبيبة «لمياء» التي حارب الجميع للحصول عليها، كما رفضت هي الكثير ممن تقدموا لها مدافعة عن اختيارها له، ثلاث كلمات فقط ردت بهن والدته على سؤاله: أين هي؟ أطلقت آلاف الخيول في رأسه: خرجت ولا نعرف إلى أين؟!

وكما لم يستطع الاسترسال أكثر في الحديث معها للحصول على معلومات إضافية خوفاً من سماع ما هو أسوأ، فقد هجر النوم عينيه في الليلة نفسها والليالي التالية.. الأسئلة التي أخذت تضيق الخناق عليه حول سر الهالات السوداء حول عينيه، ونقص التركيز لديه خلال إعطاء الحصص للتلاميذ في المدرسة، بالإضافة للسؤال الصارم من قبل مدير المدرسة له عن سر تأخره المتكرر في الحضور جعله يمتطي صهوة الجرأة ويتصل بزوجته هاتفياً في محاولة للوقوف على الحقيقة وإزالة الغبار الآخذ بالتراكم..

رذاذ ناعم يطرق جدران القلب في الصوت القادم من بعيد ويتطاير الغبار بسرعة.. «عامر» يعيش تلك الليلة أجمل لحظات العمر حيث يكافئ نفسه بوجبة فاخرة استمتع بتناولها بعد أن فقد لفترة ليست بالقصيرة الإحساس بطعم الأشياء.

«الفحيح» يرسم القلق مجدداً ويدفع بالأرق إلى العيون: أطالت زوجتك يوم أمس الوقوف على النافذة.. شاهدتها ابنة الجيران وهي تبتسم خلال الحديث مع أحد أصحاب المحال التجارية..

تحدثت مساء أمس الأول مطولاً بالهاتف..و..ويحمل قلقه مجدداً أسئلة هاتفية إلى زوجته بشكل أكثر مباشرة هذه المرة.. الرقة المتناهية والمشاعر الجياشة المضمخة بأجمل الذكريات بالإضافة للإجابات المقنعة تبريراً للشكوك التي زرعت من قبل من يكرهونها لأنها تحتل كل قلب زوجها..ولدهم.. وشقيقهم..

يبدو أنها لم تنجح تماماً في نفض الغبار عن النفس فرفض مكافأة نفسه بشيء واتجه نحو منزل صديقه الأثير «مأمون» وعلى إيقاع صوت رشفات صديقه المسموعة للقهوة أطلق العنان لنفسه.. بكى كثيراً.. قال كثيراً.. وسأل كثيراً..

«مأمون» الذي يعرف جميع الأطراف أكد له بأن ما يقال لا يستحق منه أي التفاتة، وبأنه يجب أن يكون عاقلاً ولا يتفاعل مع كلام صادر عن أشخاص يعرفهم جيداً ويعرف مبرراتهم، كما طالبه بأن يعود بالذاكرة إلى سنوات بعيدة مستذكراً البراعم الأولى للمشاعر مع زوجته الحبيبة..

درس التحليل الاجتماعي والنفسي الذي قدمه «مأمون» نجح إلى حد في إخماد الحريق.. ولكن يبدو أن الجمر قد بقي تحت الرماد، خاصة وأن جرعات الأخبار القادمة عبر الأثير كانت كبيرة، وما زاد الطين بلة وصول احد أقاربه للعمل في الدولة حيث كان مزوداً بالحلويات والمأكولات اللذيذة التي صنعتها أيدي والدته وزوجته.

بالإضافة إلى الكثير من الوجبات المسمومة.. والدتك تقول بأن سلوك زوجتك (مش مزبوط) وأختك سميرة سمعت من صديقتها بأن زوجتك لها علاقة مع ابن جيران صديقتهما المشتركة التي تقطن في الحي الجنوبي..و..ونهض عامر واقفاً مكتفياً بما سمع.. وكانت المكافأة الوحيدة لنفسه في تلك الليلة العودة مجدداً للتدخين و..بشراهة.

احتضنته «لمياء» غير مصدقة بأنه أمامها من لحم ودم فقد مضت أكثر من سبعة أشهر على غيابه وعلى معاناتها من سلوك المحيطين، احتضنته ولم تسأله عن سر مجيئه دون إنذار مسبق، كما لم تنتبه إلى النيران المشتعلة بداخله وحتى عندما لاحظت بعض التغير لديه برر الأمر بأنه الإجهاد والتعب فقط.

كملاك كانت تنام «لمياء» تعلو شفتيها ابتسامة ربما كانت قد غابت عنهما لأشهر طويلة، وكملاك حملت عيناها أسئلة كثيرة وهي تتلقى طعنات الزوج الحبيب الذي لم يستطع أن يتجاوز ميراثه، وسمح للفحيح بالتسلل إلى قلبه.

خالد اللوباني