في لقاء بعد فترة غياب وجدته منصرفاً عن حضور صلاة الجماعة بعد أن كان يحرص عليها دائماً، فوجهت إليه النصيحة الخالصة في هذا الأمر، لكنني وجدت منه نفوراً وقال: انصح نفسك أولاً، أنا لست بحاجة إلى نصائحك. فقلت في نفسي لماذا يعرض عن قبول النصيحة؟ يبدو أنني لم أفهم آداب النصيحة والتي أتعرض لها بشيء من التفصيل ناصحاً نفسي بها أولاً وبيانها لغيري كي يتبعها إذا أراد أن ينصح غيره والتي منها اتباع سلم الأولويات عند توجيه النصيحة.
بالإضافة إلى البعد عن الخشونة في توجيهها، فأحياناً يشعر المنصوح أن طعنات قاتلة تُوجه إليه لقسوة كلام الناصح، الأمر الذي يوغر الصدور. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في الرفق بمن ينصحه.
فعندما بال شخص في المسجد، لم يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، ولم يعنِّفه، بل قال له في رفق إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، وإنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن الكريم، وأمر رجلاً من القوم أن يأتي بدلو من الماء فشنّه عليه.
وإذا أراد الناصح أن ينصح شخصاً في أمر ما، يجب أن تكون النصيحة بينه وبين من ينصحه فلا ينصحه على الملأ، لأن النصيحة على الملأ فضيحة، وأيضاً لكي ينصح في أمر ما يجب أن يكون واقعاً في هذا الأمر حتى لا يقع قول الله تعالى «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم».
قال الفضيل بن عياض: «المؤمن يستر والفاجر يهتك ويعيّر».
وذكر الحافظ ابن رجب أن السلف كانوا يتناصحون سراً حتى قال بعضهم من نصح أخاه سراً فقد نصحه، ومن نصحه أمام الآخرين فقد وبخه.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
تغمدني بنصحك في انفرادي
وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع
من التوبيخ لا أرضى استماعه
وإن خالفتني وعصيت قولي
فلا تجزع إذا لم تُعط طاعة
ورُوي عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لبعض إخوانه:
أوصيك بستة أشياء:
إن أردت أن تقع في أحد وتذمه، قدم نفسك، فإنك لا تعلم أحداً أكثر عيوباً منها.
وإن أردت أن تعادي أحداً فعاد البطن، فليس لك عدواً أعدى منها.
وإن أردت أن تحمد أحداً فاحمد الله، فليس أحداً أكثر منه منَّة عليك وألطف بك منه.
وإن أردت أن تترك شيئاً فاترك الدنيا، فإنك إن تركتها فإنك محمود، وإلا تركتك وأنت مذموم.
وإن أردت أن تستعد لشيء فاستعد للموت، فإنك إن لم تستعد له حلّ بك الخسران والندامة.
وإن أردت أن تطلب شيئاً فاطلب الآخرة، فلست تنالها إلا بأن تطلبها.
وكم في القرآن الكريم من آية تدل على النصيحة كما جاء في نصيحة النملة لبقية النمل فقال تعالى: «قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون».
قال ابن عطاء: «تكلمت النملة بكلام جمعت فيه عشرة أجناس من الكلام، فنادت، ونبهت، وسمعت، وأمرت، ونصحت، وحذرت، وخصت، وعمّت، وأشارت، وأعذرت».
فأما النداء: فيا، وأما التنبيه فقولها: النمل، وأما أمرت فقولها: ادخلوا، وأما نصحت فقولها: مساكنكم، وأما حذرت قولها: لا يحطمنكم، وأما خصت فقولها: سليمان، وأما عمّت فقولها: وجنوده، وأما أشارت فقولها: وهم، وأما أعذرت فقولها: لا يشعرون.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه وينصحهم برفق، ومن وصاياه صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «أحكم السفينة فإن البحر عميق، واستكثر الزاد فإن السفر طويل، وخفِّف ظهرك فإن العقبة كؤود (أي صعبة المرتقى) واخلص العمل فإن الناقد بصير». نفعنا الله وإياكم بما قدمنا من نصائح.
اضاءة
يجب اتباع سلم الأولويات عند توجيه النصيحة والابتعاد عن الخشونة في الكلام.
حامد واكد
