الفطرة البشرية تقتضي وجوب العدل وضرورة تطبيقه لأنها جبلت على ذلك ولا يمكن لها الانفكاك عنه بأي حال من الأحوال، ومن المحال أن يقبل أحد من بني آدم التنازل أو التغاضي عن حقوقه التي تقرها الفطرة والكرامة الإنسانية أو أن يترك الحصول على أي منفعة كانت.

فمن مزايا حكمة الله جل جلاله أن يكون قانون العدل قائماً بين العباد وهو جل وعلا أول المتصفين بالعدالة المطلقة بين عباده وسائر ما في الوجود.

إن من المسلمات العقلية التي يؤمن بها العقل ويصدقها من غير تفكير رفض الظلم وعدم القبول بمبدئه في كل حال من الأحوال، فالعاقل أياً كان جنسه ولونه وعرقه؛ لا يقبل الظلم على نفسه أو أن يهضم حق من حقوقه المشروعة ولو كان ذلك الشيء بسيطاً فوضع الشيء في غير موضعه لا يقبله عقل ولا يقر به منطق.

فالله تعالى حرم الظلم على نفسه أولاً وكذلك بين عباده جعله محرماً والآيات في ذلك كثيرة منها قوله سبحانه تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) {النساء/40 ويؤكد ذلك القرآن الكريم المشحون بكثير من الآيات التي تقر ذلك منها على سبيل المثال لا الحصر قوله سبحانه تعالى (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ) {السجدة18/20. وكذلك السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم جاءت مؤكدة لتنفي الظلم عن الباري جل وعلا وكذلك بين عباده، ففي الحديث القدسي الذي أخرجه الأمام مسلم (ت 261 ه) من طريق أبي ذر الغفاري (ت 32 ه) ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى ـ أنه قال «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم حراماً فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم».

هذا ولسنا بصدد عرض كثير من الأمثلة على أن الفطرة تقتضي وجوب العدل ولا تستأنس للظلم إذا حل بها فالنفس البشرية لا يستقر لها قرار ولا يهدأ لها بال بسببه واستشراءه بين الناس، وأمثلة ذلك وأدلتها كثيرة جداً لا يمكن لنا أن نحصيها ونتقصى حقائقها، فعموم الأدلة تتمثل في مناحي عدة من حياة الإنسان ونذكر بعضاً منها على سبيل الإيضاح لا الحصر.

المثال الأول: لو أن أحداً من الطلبة كان مجتهداً في تحصيل دروسه ويحصل على الدرجات النهائية في المواد الدراسية وبعد أن أنهى مراحل الدراسة بحصوله على درجة امتياز في جميع المواد فلا ريب أن هذه النسبة قد تؤهله للحصول على مقعد دراسي في الجامعة لأنه متفوق.

وفي مقابل ذلك طالب آخر من أصحاب الجاه والنسب الشريف كان مهملاً ونسبة تحصيله الدراسي متدنية جداً لا تؤهله دخول الجامعة وكذلك ثقافته ضعيفة مقارنة بالطالب المجتهد فإذا أعطى الطالب المتدني النسبة مقعداً في أرقى الجماعات الحكومية على سبيل المثال ألا يشعر الطالب المجتهد بالإحباط وخيبة الأمل ويعد هذا التصرف من قبل بعض المسؤولين ظلماً فاحشاً في نظر كل عاقل وغير عاقل؟ فلا يمكن أن يقبل أي إنسان هذا التصرف ولا يعد هذا العمل عدلاً في حق الناس.

المثال الثاني: لو أن مجتمعاً ما يعيش في حالة من الاستقرار الديني والسياسي والاجتماعي والمادي.. وما ماثله من وسائل العيش الكريم، وبعد ذلك تدخلت بعض القوى الغاشمة بحجة إقامة الديمقراطية، وتحقيق طموحات الشعب... وبعد ذلك تنكث عن هذه الوعود وتتجه اتجاهاً آخر وتنحرف عن المسار المرسوم لها سابقاً فتكيل الكيل بمكيالين. إلا يعد هذا الفعل والتدخل غير المشروع ظلماً في حق الشعوب الآمنة.

إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي