وصف الشيخ محمد حسين مفتي القدس والديار الفلسطينية، الوضع الحالي في الأراضي الفلسطينية ب«المأساوي»، وقال إن الوضع في غزة والضفة الغربية أصبح سجناً كبيراً، لافتًا أن الشعب الفلسطيني يعيش في أصعب المراحل.
وأشار مفتي فلسطين أن الموقف الحالي في القدس يبعث على الخوف والقلق، فهناك حفريات شرع فيها الاحتلال الإسرائيلي حول المسجد الأقصى وصلت إلى القصور الأموية، إضافة إلى النفق الذي قامت به قوات الاحتلال، والذي يبدأ من بوابة المسجد الأقصى والمعروفة ببوابة المغاربة وبمحاذاة الجدار الغربي للمسجد المتجه بمحاذاة الجدار الشمالي بطول 5 كم.
كما تم فتح بوابة أخرى بطريق يسمى طريق المجاهدين في القدس أسفل العقار الإسلامي والمدرسة، وهذه الحفريات أدت إلى تصدع المباني، والتي هي عقارات وقفية.
وكان الاحتلال الإسرائيلي قد توجه منذ العام 1981 إلى أحد الآبار في الساحة من خلال هذا النفق، وحاول أن يرمم هذا البئر، ومن هنا أقول إن الحفريات لم تتوقف لكنها تتصاعد، وهى تشكل خطورة حقيقية ليس على المسجد الأقصى فحسب، بل على كل العقارات والمرافق المحيطة بالمسجد، ومع كل هذه الممارسات من قبل الاحتلال الإسرائيلي نخشى أن يلحق ـ لا سمح الله ـ بالمسجد الأقصى أي أضرار، لكن هناك إصرارا فلسطينيا على مقاومة هذا الوضع، وعلى ترميم المسجد الأقصى والمحافظة على هويته، ولكن حماية المسجد الأقصى والقدس والشعب الفلسطيني تحتاج إلى كل الجهود العربية والإسلامية والدولية.
هذا عن الوضع في القدس، لكن ماذا عن الوضع الداخلي على الساحة الفلسطينية؟
مما لا شك فيه أن بروز أي خلافات على الساحة الفلسطينية لا تخدم القضية الفلسطينية، فالأرض الفلسطينية وشعبها مازال يقع تحت الاحتلال، فإذا تكلمنا عن غزة أو الضفة الغربية فهما سجنان كبيران، فحواجز الاحتلال تقطع أوصال الضفة الغربية، وجيش الاحتلال يحيط بغزة ومعابرها من كل اتجاه، فالوضع على الأرض وضعا مأساويا، والشعب الفلسطيني لا يزال في أصعب مراحل الصراع العربي الإسرائيلي، كما أن الذي جرى على الساحة الفلسطينية لا يخدم أحدا إلا الاحتلال، فالفصائل الفلسطينية وكل القوى الفاعلة على الساحة الفلسطينية على مدار نضال الشعب الفلسطيني تختلف في وجهات النظر، لكن تبقى المصلحة العليا وأهداف الشعب الفلسطيني الموجهة لهذا الخلاف، وهي التي تساهم في حل هذا الخلاف.
لذلك أرى أن ما جرى على الساحة الداخلية، حينما يطلق النار بين أبناء الشعب الفلسطيني ويسود الدم الفلسطيني، لهو أمر تجاوز كل الخطوط الحمراء وأضعف الساحة الفلسطينية، ولهذا فالعرب ينظرون للفلسطينيين على أنهم مقسمون، وبالتالي يسهل على كل واحد منهم أن يقول لهم اتفقوا أولاً ثم تعالوا إلى الحكم، أيضًا الأمة الإسلامية والأمم المتحدة يسيرون على نفس الشيء، ومن هنا أقول إن ما جرى في غزة أمر يجب ألا يستمر ولا يجوز أن يبقى، ولننهي هذه الصفحة السوداء.
لكن برأيكم.. من المسؤول عن هذه الصفحة السوداء؟
لا أحب أن أخوض في التفاصيل، لكن يجب أن ننهي هذه الصفحة إلى الأبد، وليكون لكل أبناء الشعب الفلسطيني وجهة نظر واحدة وموقف وكلمة واحدة في اتجاه تخفيف الآمال والأمان، وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فهذه حقيقة واضحة على الأرض الفلسطينية، فحينما ينال الشعب الفلسطيني الحرية فنحن في مرحلة تحرر وطني، وحينما نصل إلى مرحلة الحرية والكيان السياسي الحقيقي، نصل إلى أن تكون هناك المؤسسات ولا يمنع وقتها من يتولى السلطة، لأن الشعب الفلسطيني أصبح حرًا، أما الآن فالشعب الفلسطيني تحت الاحتلال.
فيجب على الشعب الفلسطيني وبالأخص الفصائل، أن تأخذ درسًا مما جرى حتى لا يتكرر، لأن تكرار مثل هذا يعتبر مأساة للشعب الفلسطيني، فيكفي مضاعفات النزاع الذي حدث، والمطلوب الآن هو إغلاق هذه المضاعفات وتطويقها؛ لتعود اللحمة الفلسطينية إلى الشعب وأبناء الشعب وفصائل الشعب وإلى جناحي الأمة.
تحالفات إقليمية
بماذا تفسرون الصراع الحالي بين فتح وحماس؟
أي صراع على الساحة الفلسطينية في هذا الوقت بالذات، ليس من مصلحتنا إطلاقًا أن يكون أداة أو أجندة لأي جهة مهما كانت، لأن الاحتلال الإسرائيلي أقوى من هذا الفصيل، وأقوى من أجندة أي جهة تريد أن توظف هذا الفصيل أو ذاك ضمن مصالحه، فأعتقد أنه آن الأوان أن ينتبه كل مواطن فلسطيني، بألا يكون هو الفلسطيني الذي يحفر قبر القضية الفلسطينية بيده.
يمكن إيجاد حل لهذا الوضع على الساحة الفلسطينية؟
أعتقد أن هناك محاولات عربية ويجب أن تساعدنا الأمة العربية والإسلامية، لكن في نفس الوقت يجب أن يبقى القرار الفلسطيني والمصلحة الفلسطينية فوق كل اعتبار وفوق كل أجندة إقليمية، أجندة لا تخدم بالدرجة الأولى أهداف الشعب الفلسطيني، كما أننا لا نقبل من أي دولة سوى دولة عربية أو إسلامية، أن تجعل القضية الفلسطينية ضمن أوراقها، حتى لا تقوم بلعبة معينة من أجل مصالح لها أو من أجل تحالفات إقليمية.
ما رأيك في طريقة تعامل الدول العربية مع القضية الفلسطينية؟
كل دولة عربية وكل الشعوب العربية تتعامل مع القضية الفلسطينية على أنها قضيتها، وهذه مشاعر وأحاسيس صادقة، فنحن حين نذهب إلى أي مكان نجد الشعوب سواء كانت عربية أم إسلامية تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها، ففي السنغال قالوا لنا القضية الفلسطينية لنا، وقالت دول منظمة المؤتمر الإسلامي إن القضية الفلسطينية القضية المركزية في فكر وعمل وجهد الأمة فهذه هي القضية الفلسطينية، فنحن نحتاج إلى مواقف متقدمة حتى يكون هناك ضغوط عربية وإسلامية ودولية، وهناك أبعاد ثلاثة لابد من تفعيلها لنصرة القضية الفلسطينية، وهذه الأبعاد تتمثل في «العمق العربي والبعد العربي، العمق الإسلامي والبعد الإسلامي، العمق الدولي»، لأن الهجمة على الفلسطينيين وعلى الأرض الفلسطينية أكبر من طاقات الشعب الفلسطيني.
ما دور المؤسسات الدينية الفلسطينية فيما يتعلق بتصديها للفكر المتطرف؟
المؤسسات الدينية تقوم بواجب عظيم، ولذلك من أصعب ما يكون ظاهرة التكفير أو ظاهرة التخوين أو ظاهرة استباحة الدم فهذا فكر منحرف، فعقيدة أهل السنة عقيدة واضحة وراسخة لا تكفر أحدا من أهل القبلة، وبالتالي لا يجوز تكفير المسلم، فهذا الفكر منحرف عن فهم الدين، ويجب على كل عاقل وعالم ومفكر ومثقف أن ينهض وينادي: «أوقفوا هذه الفتنة التي تعيد لنا السبئية، وتعيد لنا الخوارج والمعتزلة وتعيد لنا التشيع»، فنحن نريد الفكر الإسلامي النقي الصادق المنتمي لهذه العقيدة، والمنبثق عن هذه العقيدة دون غلو ودون مبالغة في فهم الأمور أو قلب مفاهيم الأمور.
