الزفرة الحارة التي أطلقها «محمد أيوب»عامل الصيانة في المبنى الذي أقطنه لم تضف الكثير من الحرارة فحسب إلى الطقس في غرفة الحارس عندما جئت إليه طالباً منه التدخل الجراحي لإيقاف نزيف المياه على شقتي من الطابق التالي والمتواصل منذ أكثر من أسبوع، بل جعلتني لوهلة أتناسى ما جئت لأجله وألتفت إلى ما وراء هذه الأنفاس الملتهبة لشخص عرفناه مستعداً على الدوام لإرضاء السكان وتسهيل أمورهم..
ما الأمر يا محمد ممَّ تشكو؟
ـ لا شيء صدقني
اسمع يا محمد لابد أن هناك شيئاً ومهماً أيضاً وراء هذه الكآبة، فما هو؟
ـ في الواقع الأمر مرتبط بزواج ابنتي» عائشة» في الوطن
ـ غريب أمرك يا محمد فهذا الأمر ينبغي أن يجعلك تعيش حالة فرح غامرة
ـ صدقني أنا أعاني من اختلاط المشاعر إزاء هذا الموضوع، فأنا مسرور من جهة، وحزين من جهة أخرى.
هل لك أن تفسر لي الأمر؟
ـ سعيد بزواجها وحزين لأنها ستتزوج وأنا بعيد عنها حيث سأعود إلى منزلي في الإجازة ولن أجدها، كما أن ظروف زواجها ليست مريحة.
وهل هي ابنتك الوحيدة؟
ـ لدي ولد و3 بنات وهي أصغرهن والأثيرة لدينا
وماذا تقصد بظروف الزواج؟
ـ لا أدري إذا ما كنت تعرف أن زواج البنت في بلادنا يمثل هاجساً لأسرتها، فما بالك إذا كان لدى الأسرة أكثر من بنت مثلي.
لابد أن الأمر كان صعباً عليك في تزويج ابنتيك الاثنتين سابقاً؟
ـ أكثر مما تتصور، فالله وحده يعلم أي برامج تقشف اعتمدنا لنزوجهما
وما الفرق هنا في حالة ابنتك «عائشة»؟
ـ أن الوضع المادي أكثر صعوبة ما جعل برامج التقشف أشد قسوة.
هل لك أن توضح لي أكثر؟
ـ بصراحة كان الحل الوحيد لنكون جاهزين في الموعد لتزويج «عائشة» أن أوفر المبلغ المخصص لإجازتي وعدم الوقوف إلى جانبها في ذلك اليوم الذي حلمت به كثيراً
وكيف تقبلت ابنتك «عائشة» هذا الاختيار؟
ـ هذا هو بالضبط سر الحالة التي تراني عليها اليوم
ماذا تقصد؟
ـ لقد اتصلت بها ليلة أمس وتحدثت إليها مطولاً، وقد رفضت الفكرة رفضاً باتاً، وأبلغتني بأنها لن تتزوج إلا إذا كنت إلى جانبها، وقالت لي بأن رغبتها برؤيتي أكبر من رغبتها في الزواج خاصة وأن عامين قد مضيا على آخر مرة رأيتها فيه.
ولكن هذه فترة طويلة يا «محمد»، كيف تستطيع الاحتمال؟
ـ أبو البنات في بلادنا يجب أن يتحمل الكثير.
طيب فيما يخص «عائشة» كيف ستتصرف؟
ـ لا خيار أمامنا، وسأترك لوالدتها مهمة إقناعها بالأمر، وأعتقد بأن تدخل شقيقاتها في العملية سيؤدي إلى استيعابها فكرة عدم وجودي بالقرب منها في ليلة عمرها، كما تم إقناعهن ببرامج التقشف من أجل زواجهن واستأذنني ليقرأ الرسالة النصية المرسلة إليه عبر الهاتف المتحرك.. وضحك كثيراً بعد قراءتها، ثم بكى بحرقة عقب ذلك.. وقال لي من خلف غمامة الدموع لقد وافقت «عائشة» على الزواج.
خالد اللوباني
