تجرفنا دوامة الحياة أحياناً إلى حيث لا نستطيع العودة.. أو معاودة النبض من جديد، وحيث لا مفر من الاستسلام لواقعٍ لم نختره.. ولم نحبه، وننزوي في أماكن يُخيل لنا أنها مواطن ينتعش فيها القلب.. وينمو فيها الإحساس بالأمان.. ولكن رياح الأقدار معاكسة.. فالصمود في وجه العاصفة لا طائل منه.. وفصول الحكاية تكتمل في مكان آخر.. يلوح في أفق بعيد.. نستشرفه لاحقاً.

عاش الطفلان الصغيران مع ذويهما في بيتين متجاورين، أمهاتهما شقيقتان متحابتان كانتا تعملان مدرستين في إحدى المدارس الحكومية وتتركان الطفلين لدى جدتهما ومع طول ساعات العمل وبكاء أحد الطفلين أحيانا أو بكائهما معا للشعور بالجوع أو غايات أخرى، لم تجد الجدة وسيلة لإسكاتهما سوى أن ترضعهما معا أو كل منهما على حدة، إلى أن كبرا..

وعاشا مرحلة اللعب معا ومع تقدم سنوات العمر وإنهاء كل منهما للمرحلة الثانوية التي تخللها تبادل مشاعر الاحترام بين الشاب وابنة خالته التي تساويه عمرا وتبادله مشاعر الحب، كان لا بد للشقيقتين من تبادل الحديث حول خطبة الشابة من ابن خالتها وهو الأولى بالزواج منها في بلد الغربة بالنسبة لهما، فتقدمت أسرة الشاب من أسرة الفتاة وتمت الخطوبة ومباركتها الأهل وتبع ذلك الأمر زواج العروسين في فرح أقيم لهما وسط لفيف الأهل والأصدقاء..

في ظل غياب الجدة التي انتقلت إلى رحمة الله تعالى دون أن تبوح بما أقدمت عليه من فعل الإرضاع، لا قصد سوى إنها كانت تعتبره وسيلة لإسكات جوع طفلين هما بالنسبة لها أمانة لا بد من المحافظة عليها وصونهما كونهما حفيديها.

زفت الشابة إلى عريسها وبدأت رحلة الحمل الأولى لكنها لم تكتمل وأسقطت الشابة جنينها الأول واستمرت على هذا الحال في ثماني محاولات دون أن تلد، وتخلل هذه السنوات الأليمة على الزوجين المتحابين زيارات عدة للأطباء والمختصين دون القدرة على تحديد أسباب إسقاط الأجنة.. وكان الذي يصر كل منهما على البقاء والعيش المشترك مع الآخر لما تربطهما من علاقات القرابة والنسب والحب.

وتعثرت أمالهما وطموحاتهما في تكوين أسرة متحابة وبدأ الأهل يقلقون على مستقبل ومشاعر ابنيهما.. وبدأوا التفكير الجاد بضرورة إيجاد حلول تعوض صبرهما وتريح الفتاه مما تعيش من متاعب حمل لا يكتمل، حيث قررت الأسرة عرض أمر الزوجين على أحد الثقاة من الذين يعالجون بالقرآن الكريم.

حيث استطاع الرجل بفطنته وبعد معرفته قصة تربية الطفلين أن يضع أحد الاحتمالات أن الجدة كانت ترضع الطفلين رضعات مشبعة فباحت أم الفتاة لشقيقتها بأن والدتهما كانت قد حدثتها في يوم من الأيام أنها كانت تسكت جوع الطفلين بأن تضحك عليهما بوضع ثدييها في فاه الطفلين بالتبادل.

ولكن والدة الفتاة كانت على علم بأن أمهما امرأة في وسط العمر ومترملة عن زوجها منذ سنوات، وأنها قاطعة للحمل والإرضاع فكيف يمكن لها في هذه الحال القيام بعملية الإرضاع التي لا تقدر عليها سوى النساء القادرات على الإنجاب دون الإدراك بأن صدر المرأة حنون على من يحب.

ولم يكن أمام أسرتي الزوجين سوى التوجه لأهل العلم والرأي والدين فكان الجواب الشافي والقاطع لابد من التفريق بينهما، لتبدأ بعد ذلك رحلة عذاب الفراق وسفر كل منهما بعيداً عن الآخر محاولة لنسيان ما عاشا من مشاعر حب وزواج ويبدآن رحلتهما الجديدة في بحث كل منهما عن شريك حياة جديد وتكوين الأسرة ولتبقى علاقتهما علاقة قرابة لا نسب.

حيث زف كل منهما إلى شريك حياة آخر فأنجبت الفتاة من زوجها الجديد وأنجب الشاب من زوجته الجديدة وأصبح لكل منهما أبناء وبنات دون البوح لهم بتفاصيل حياتهما السابقة.

إبراهيم السطري