كان يجلس بجواري على مقاعد الطائرة، اخترنا أن نتجاذب أطراف الحديث، على الاستماع إلى جهاز الإذاعة والتسمر على شاشات التلفاز، لتمضية الوقت بانتظار الوصول، وكالعادة يبدأ الحديث بين الغرباء بأحاديث عامة قبل أن يرتاح كل واحد للآخر ويبدأ الكلام شيئا فشيئا يزداد إثارة وأهمية. لم أكن أعلم بأنني سأكون على موعد مع إحدى القصص العجيبة من الحياة المليئة بالأسرار.

فقد بدأ صالح قصته بقوله: لا يوجد أمَرُّ من ظلم وغدر الأقارب، ولا يوجد أقسى من خيانة الأمانة، ومن لا يجربها لا يدرك مدى قساوتها، ولكن الحمد لله عوضنا الله سبحانه وتعالى عن سنوات الحرمان، وحكمت المحكمة بإلزام عمنا برد مليون و200 ألف درهم لي ولإخواني من حقوقنا التي سلبها طوال 10 سنوات بعد وفاة أبينا.اقتربت منه أكثر، لأستمع إلى القصة من بدايتها، التي بدت أنها مشوقة، بدأ بسرد القصة من البداية.

بقوله: إن عمنا كان الوصي علينا بعد وفاة والدنا، وكنا نراه بين الفينة والأخرى بعد أن مات بأيام، ليطمئن على أحوالنا، وشراء احتياجاتنا، ولم نشعر حينها بغياب أبينا. هنا سكت برهة، ولكن صوت هدير الطائرة غطى على صمته الحزين، وبعد ثوان أكمل: بعد بضعة أشهر أصبحت زياراته نادرة قد لا تتجاوز مرة واحدة في الشهر، ليعطينا نصف راتب أبينا التقاعدي، ولا نرى شيئا من أموال المزرعة، ويتركنا في حيرة من أمرنا وتساؤلات عديدة تدور في عقولنا حول تصرفات عمنا، حينها لم نكن قادرين على تفسيرها أو إيجاد مبرر لها، وبدأنا نذوق طعم الحرمان الذي لم نعرف له طريقاً أبداً.

حيث أصبحت المبالغ الرمزية الضئيلة التي نتقاضاها لا تقارن بالثروة الكبيرة التي تركها أبونا، ولا تكفي لسد حاجاتنا من مأكل وملبس ومشرب وغيرها من الضرورات الأساسية، وفي ذات الوقت كنا نرى عمنا الموظف البسيط يركب أفخر السيارات، ويصرف ببذخ على بيته وأبنائه، ويغادر في رحلات سياحية تستمر لأسابيع طويلة يتجول خلالها في معظم أنحاء العالم.

بقينا سنوات نعاني من الحرمان الذي لم نعرف له طريقاً في حياة أبينا، ومع ذلك كنا من المتفوقين والمتميزين في المدارس، ومن أفضل الشباب في الأخلاق والسلوك، أما عمنا فقد كان يسير وراء سراب، يلهث وراء المتعة في أي مكان بأموالنا التي وضعت أمانة في عنقه، فأصبح لا يتوانى عن صرف الأموال على السهرات، والعلاقات غير الشرعية هنا وهناك، ويوما بعد يوم أصبحت تتكشف لنا وخاصة لي أنا شخصيا.

حيث أنني اكبر إخواني تفسيرات لما يرتكب بحقنا من ظلم، من أقرب الناس إلينا، فقررت يوما أن أذهب إليه وأطلب منه جزءاً من ثروتنا التي أعتقد أنها تدخر لي ولإخواني منذ 10 سنوات فسمعت منه 4 كلمات تمنيت لو أنني مت قبل أن أسمعها، فقد أصابتني كالرصاص، كادت أن تدمي قلبي، بقوله: ليس لكم شيء عندي، والتي وقعت كالصاعقة، فقد بقيت أياماً أفكر بها، وكيف أستعيد حقي وحق إخواني، التي أنكرها عمنا.

ولم أجد سبيلاً إلا اللجوء للقضاء والمحكمة التي لم تأخذ وقتا طويلاً لتصدر حكمها، وبعدها حاصرته الهموم لأنه ضيع الأمانة ولم يحفظ الوصية، فقد خطف الموت أحد أبنائه في حادث سير، وأصيبت زوجته بمرض السرطان، أما هو فلم يبق بنك إلا واقترض منه لعلاج زوجته وتدبير المأكل والمشرب لأبنائه، فسبحانه يمهل ولا يهمل.

فراس العويسي