ضاق ذرعا بطلبات زوجته، فمع كل عودة من الدوام لابد أن يزور مركز التسوق القريب وبيده قائمة من الطلبات، حتى صار يشعر أن تلك المرأة التي أحبها واقترن بها صارت تهوى تعذيبه بلعبة التسوق المزعجة تلك، لكنه يعلم بينه وبين نفسه أن معظم ما يشتريه هو احتياجات يومية لابد منها، وعليه ألا يتذمر طالما أنه قرر التسوق والتحكم بميزانية البيت بعد أن رجته زوجته تخليصها من تلك المهمة العسيرة مع موجة الغلاء.
كانت طلبات اليوم لا تتعدى بعض أنواع الفواكه والخضار لذا اتجه نحو مبتغاه لينجز المهمة بسرعة، وقد بدأ يحاول تذكير نفسه بألا ينسى الموز فطفلته الصغيرة تحبه جدا وإذا ما نسيه ستسأله مئة مرة عنه، وهو منذ أن صار أبا قرر ألا يجعل أيا من أبنائه يحتاج شيئا، وكثيرا ما يلومه أهله على تدليل أطفاله ومع علمه بخطئه فإنه لا يتحمل فكرة أن لا يستطيع توفير حاجة لطفله، وهو يتذكر عبارة قالها صديق عازف عن الزواج ( ماذا أفعل لو طلب طفلي تفاحة ولم أستطع توفيرها؟).
كانت تلك العبارة تتحداه كل يوم بأكثر من شكل فليست التفاحة هي المغزى ولكنها المسؤولية التي جعلته لا يستطيع تقديم استقالته من عمله لأي سبب كان، لقد غادر تمرده وجنونه منذ أن أصبح أبا، لكنه غير نادم لأنه اختار أبوته وصار يعرف كيف يتحمل المسؤولية ويستمتع بها فما أن يستقبله صغاره مهللين حتى ينسى كل هواجسه وهمومه ليلعب معهم ويقفز هنا وهناك ويبتكر أدوارا مضحكة لا يمكن أن تخطر ببال زملائه الذين عرفوا عنه الجدية والوقار.
خطا خطوتين باتجاه الموز ثم تراجع بعد أن رأى ولدا في العاشرة يمسك كيسا ويتفحص الموز فترك للطفل المجال وذهب لاختيار فواكه أخرى ريثما ينتهي الصغير الذي ربما أرسلته أمه للشراء، كان طفلا أسمر البشرة بملامح أفريقية لطيفة وقد بدا مرتبكا ربما لأنه لا يجيد التسوق. بينما كان يتفحص حبات البرتقال سمع البائع يبعد الطفل عن الموز فحاول عدم الالتفات كي لا يحرج الصغير، بعد لحظات اتجه نحو الموز ولاحظ ان الفتى وقف مراقبا أنواع الفاكهة من بعيد.
بينما وجد أن إحدى حبات الموز قد انفرط جزء منها من العذق، فأدرك بسرعة أن الفتى لم يكن يشتري شيئا ولكنه كان يحاول الحصول على موزة اشتهاها ولم يجدها في بيته، شعر بجسمه يرتجف وهو يتخيل وطأة وقوف هذا الطفل ليحاول انتزاع الموزة من دون أن يثير الانتباه، لم يستطع أن يفعل شيئا سوى أن حمل عذق الموز نحو الكاشير ليدفع ثمنه ويعود إلى الصغير الواقف في الركن فلا هو يستطيع الحصول على الموزة ولا يستطيع أن يتركها إذ لم يتعلم بعد كبت الرغبات والتأقلم مع حرمان الفقر.
اقترب من الطفل الذي خاف من العقاب فبادره بابتسامة وقال:
ـ ما اسمك يا فتى؟
ـ عدنان.
ـ حسنا يا عدنان خذ هذا الموز لك وعد إلى البيت ولا تسرق مرة أخرى؟
ـ لكني لم أسرق كنت أريد موزة فقط.
ـ لكنك يجب أن لا تأخذ شيئا لا تستطيع دفع ثمنه.
ـ انا لا أستطيع دفع ثمن هذا الموز.
ـ لقد دفعت ثمنه لذا عد إلى بيتكم الآن.
ـ شكرا يا عم
انصرف الفتى فرحا، وعاد هو إلى هواجسه وهلعه من أن يواجه أحد أطفاله مثل هذا الموقف، فهو لا يستطيع لوم الطفل على فعلته، وقد صار يرى في مراكز التسوق عائلات لا تحمل سوى الخبز وبعض الأساسيات بينما تكون الفاكهة والحلويات ترفاً لا يستطيعون توفيره لأطفالهم، فهل يمكن أن نمنع طفلا يرى كل المعروض ولا يشتهي شيئا منه؟
دلال جويد
