حضر القاضي إلى المنصة الرئيسية في المحكمة، ثم سُمح لنا بالجلوس، وبانتظار القضية التي حضرنا من أجلها، كانت هناك مجموعة من القضايا التي يجب البدء فيها حسب الترتيب، المحكمة هي نفسها عبارة عن قاضي محامي المجني عليه والجاني في شكلها التقليدي.
القضية الأولى تبدأ، محامي المجني عليه يعرض المشكلة: «حضرت القاضي موكلي قد تعرض لضغوط نفسية حتى يدفع مبالغ مالية ضخمة للجاني، بدون أي وجه حق للجاني بأن يطالب بها، وحين طلب موكلي مبلغ بسيط أو زهيد بالنسبة للثروة التي يمتلكها المجني عليه، قابله بالرفض التام لطلبه، على أن يسد بعضاً مما سبق وإن دفعه له«..
محامي الجاني: (يا حضرة القاضي موكلي لم يمارس أية ضغوطات على المجني عليه، حتى يقبض مبالغ مادية، ولكن هذه المبالغ عطية له كهدية وليس أكثر من ذلك، وقد أرجعت هذه المبالغ المادية بعد أن طلبها المجني عليه وفي نفس اللحظة)..
محامي المجني عليه: «اسمح لي أن أعرض مجموعة من الشيكات التي قدمّها الجاني لأبنائه، والتي استثنى بها المجني عليه...«، ماذا اسمع هل هو صحيح أم أني مخطئه؟؟ لا لا أعتقد ذلك، أكيد أني غفوت وهذه مخيلتي هي التي تخيلت الأشياء، تأكدت من التي كانت في جنبي هل هذا الكلام صحيح أم لا ؟؟
رددت بإجابة تمنيت فيها أذني لم تسمعها، وحسبتها هي مخطئة كذلك، ولكن رجع المحامي وأكد اسم الجاني والمجني عليه، ونزل عليّ كالصاعقة التي إذا نزلت تصيب الفرد بالموت لا محالة، ابن يشتكي على والده، أين وصل بنا الحال؟، هل هي آخر الدنيا؟
ابن يجرجر والده إلى المحاكم، حتى ولو كان هذا الوالد ظالما، طاغية، » سي السيد« زمانه، كيف يتجرأ ابن على محاكمة والده، هل نسي من له الفضل بعد الله تعالى في تربيته، ورعايته وهو صغير حتى وصل إلى ذروة قوته تخلى عنه، ويعتبر أن له الحق في المطالبة بنصيبه ووالده حي.
بدت الغصة ظاهرةً على وجهه، يجر رجليه جرا حتى يمشي، يهم هم بكلمات غير مفهومة، تسمع أصوات جره للهواء.
وكأن الأكسجين الذي يدخل في عملية الزفير والشهيق عبارة عن منشار يشق صدره، يتكئ على الكراسي حتى يصل للباب، ليخرج قبل أن تخرج روحه من جسده الذي بدا ضئيل، مددت يدي للمساعدة فأمسكها بقوة، كانت يداه متجمدتين من البرودة، سألته إذا كان في حاجة إلى شربة ماء، هز رأسه بالموافقة، شربه وكأنه كان ضائعاً في الصحراء الحارقة ويلهث من العطش، قال لي: (يزاج الله خير، ما قصرتي)، قلت له: (لا شكر على واجب)، جلس على المقاعد الخارجية ينتظر السائق بحرقه، حتى يمضي.
وكأن شيئا لم يحدثه، رجع يتحدث معي وكأنه يعرفني منذ أعوام: (شفتيه ما فيه خير، ما يستحي أييب أبوه إلي ما بخل عليه في شيء المحكمة، ليش هذا كله؟؟ عشان الفلوس؟؟!! الفلوس يسيرن ويردن، بس أنا أبوه، يعني ما يقدر يصبر عليه اشوي، بس كم يوم؟؟!! عشان أعطيه، أنا أبوه؟؟!!
لكن أنا اعرف من منوه هذا كله، حرمته هي اللي اتحن واتزن عليه، عشان يسافرون، يبيعني عشان تذاكر وإقامة في فندق فخم، متحكمه فيه مب خلتنه يعرف يتصرف، كأنه مسيّر ومب مخيّر)، ضحك من غيظه.
ثم تطلع إلى وجهي ونصحني: «أميه نصيحة لج خليها في بالج، مب تعصين والدينج عشان افلوس، عمرها الفلوس ما بدوملج، وحتى لو حصلتيها ما بيكون فيها خير، كله ولا أمج و أبوج هالله هالله فيهم، ترى هم ينورون حياتج، والله بيباركلج في حياتج«، استند على السائق وهو يهم بالخروج متمنياً من الله أن يهدي ابنه ولا يغضب عليه!
روضة السويدي
