من أخطر الظواهر والمشكلات التي أذكتْها المتغيِّرات في الأمة ما يتعلَّق بالأوضاع الاجتماعية، وما جدَّ عليها من مظاهر سلبية، توشك أن تعصف بالكيان الأسري، وتهدِّد التماسكَ الاجتماعي، فكثرت ظواهرُ عقوق الأبناء وتساهل الآباء، وتقلّصت وظائف الأسرة، وكثُر جنوح الأحداث، وارتفعت نسبُ الطلاق والمشكلات الاجتماعية.
وتعدّدت أسباب الجريمة ومظاهر الانحراف والانتحار والعنف العائلي والمشكلات الزوجية، ووهن كثير من الأواصر، وضعُف التواصل بين الأقارب والأرحام، وسادت القطيعة والجفاء، وحلّت محلَّ الصلة والصفاء، وضعُفت وشائج الأخوة وروابط المودة، وشاعت قيم الأنانية والأحاديَّة بدلَ القيم الإيثارية والجماعية، مما ينذر بإشعال فتيل أزمة اجتماعية خطيرة، يجبُ المبادرة إلى إطفائها والقضاء عليها بإيلاء قضايانا الاجتماعية حقَّها من العناية والرعاية والاهتمام.
وهذه وقفة مع قضيةٍ من أخطر القضايا الأسرية، نشخّص فيها ظاهرةً من أخطر الظواهر الاجتماعية التي لها آثارها السلبية على الأفراد والأسر والمجتمع والأمة، تلكم هي ظاهرة التفكك الأسري والخلل الاجتماعي الذي يوجد في كثير من المجتمعات اليوم.
إن الترابطَ الأسري والتماسكَ الاجتماعي ميزةٌ كبرى من مزايا شريعتنا الغراء، وخصيصة عظمى من خصائص مجتمعنا المسلم المحافظ الذي لُحمته التواصل، وسُداه التعاون والتكافل. ويومَ أن زوبعت زوابع العصرنة والتحديث على كثير من المجتمعات الإسلامية عاشت مرحلة انتقالية، افتقدت من خلالها ما كان يرفرف على جنباتِها من سلام أسري ووئام اجتماعي.
مما أفرز جيلا يعيش على أنماط اجتماعية وافدة، وينحدر إلى مستنقع موبوء ووَحل محموم، من أمراض حضارة العصر التي سرت عدواها إلى بعض المجتمعات الإسلامية، فاجتاحت المثلَ الأخلاقية العليا والقيم الاجتماعية المثلى.
ومن أعظم صور التقوى التي تيسر الرزق وتباركه، صلة الرحم قريبها وبعيدها قويّها وضعيفها، وهي خلق رفيع من أخلاق الإسلام تمثله رسولنا - صلى الله عليه وسلم - في أروع الصور وأنقاها، وأصدقها وأوفاها، فقَالَ: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» وبين لأمته أن صلة الرحم لها من الفوائد ما لا يحصى، ومن أسباب السعادة ما لا يُحَدُّ ولا يستقصى، وليس بأقلها البركة في المال والعمر، يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب منكم أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره وأن يزاد له في عمره فليصل رحمه»
إن أقسى ما تعانيه المجتمعات الغربية اليوم هو التفكك الأسري والفردية المقيتة التي ضاقت بها بيوتهم بعد أن ضاقت بها قلوبهم. ولا عجب أن يطلبَ أهل الحي فيهم الجهةَ الأمنية لأنَّ مسِنًّا قد مات فأزكمت رائحتُه الأنوف بعد تعفّنه دون أن يعلم بموته أحد،، إنها الماديات حينما تغلب على القيم والأخلاقيات، والأعجب بل الأدهى من ذلك والأمر أن يسري هذا الداء إلى بعض المجتمعات الإسلامية وهي ترى بأمِّ عينها كيف أوشكت الأسرة الغربية على الانقراض.
أحمد عبد المجيد