في واقعنا المعاش نتعامل مع بعضنا وجيراننا بحكم المصالح دائمًا.. فبالرغم من أن التعامل مع الجار أو المعارف تحكمه أعراف وعادات وتقاليد.. إلا أن الظروف الاقتصادية قد غيرت كثيرا من الممارسات والتواصل بين الجار وجاره.

ووسط كل هذه التغيرات التي طرأت على المسلمين وتعاملاتهم مع جيرانهم وغيرهم كان لابد من البحث عن كيفية تطبيق الأخلاق الطيبة بين الناس والعلاقة الصحيحة للمسلم بإخوانه المسلمين وغير المسلمين.

لكي نعيش في مجتمع متحاب ومترابط كما أمرنا الإسلام.بداية يرى الدكتور عبد المعطي بيومي الأستاذ بكلية أصول الدين وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أن ما يحدث في هذا العصر يعد امتحانا للمسلم الذي عليه أن يختار إما أن ينحاز لدينه ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أن ينجرف إلى الأهداف الدنيوية في معاملة الآخرينوقال إنه في ظل وجودنا في عصر العولمة والفضاء المفتوح والحروب ومطامع الكبار والغزو الفكري والثقافي الغربي لبلاد المسلمين.

بل مع وصوله إلى بيوتنا فلابد لنا من إعادة التقييم لسلوكنا وتوجهاتنا نحو بعضنا من جيران ومعارف ومواطنين مسلمين وغير مسلمين، والذين يفترض أن نتعامل معهم انطلاقا من الآية الكريمة {لكم دينكم ولي دين} وهى العقيدة الصحيحة التي تتحكم أصلاً في حياتنا، لأنه إذا انحرفت عقيدتنا فلابد أن تنحرف الأخلاق.

وأشار بيومي إلى أننا كمسلمين علينا أن نستند في ديننا إلى قول رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: «الدين المعاملة»، فقد كان هو القدوة في تعامله مع الجار ومع غير المسلم حيث كانت «الرحمة» أساس تعاملاته.بدوره يؤكد الدكتور محمود عاشور وكيل الأزهر سابقًا أن الأخلاق الطيبة بين الناس وعلاقة المسلم بأخيه المسلم من الصفات الفاضلة التي حث عليها الكتاب والسنة، وحث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال «خياركم أحسنكم أخلاقا».

وحول أهم صفات المؤمن التي يجب أن يتحلى بها في عصرنا الراهن، يذكر عاشور أنها تتركز في حسن الخلق والكلمة الطيبة؛ فهما مفتاح لدخول قلوب البشر، وقد أوصانا الحبيب بالجار ليدشن قاعدة اجتماعية عامة يطبقها المسلم أينما كان في كل زمان ومكان سواء كان جاره مسلما أم غير مسلم وفي رواية للبخاري «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره».

فالأذية محرمة بكل صورها وأشكالها، وهى مع الجار أشد، ومن هذا المنطلق لابد للمسلم أن يكون سمحًا مع الناس، ومع جيرانه أكثر.. أي أن يكون حسن المعشر؛ لطيف المعاملة مع جاره، لا يمنعه حتى من الاستفادة من بيته إذا احتاج إلى شيء.

وأشار عاشور أن بعض الناس تجدهم لا يحسنون إلى جيرانهم إذا كانوا غير مسلمين، وهذا خطأ، فحتى لو جاءك كافر.. الإحسان إليه مطلوب، وأذيته محرمة، وهذا من سماحة دين الإسلام، فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جار يهودي وكان يحسن إليه.

الداعية الإسلامية عبلة الكحلاوي تشير إلى أنه بالنسبة للجار فإن الإسلام حث على رعايته وأوصى بحقوق خاصة للجار المجاور، والذي جعل له حق الأقارب، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره».

أشارت الكحلاوي أن أول ما يمكن أن يساعد في تقاربنا هو إفشاء السلام بيننا؛ كما أوصى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فبهذا السلوك تطمئن القلوب، ويحدث التجاوب والتعامل الطبيعي بين الناس.الدكتور مصطفى مراد أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر أكد أن الإسلام وضع إطارا يحكم العلاقة بين المسلم وأخيه المسلم.

هذا الإطار يعتمد على الاحترام المتبادل والأخلاق الطيبة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه سلم «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وقال أيضاً «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يقتله»، وبسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة كثيرة الصلاة والصيام، ولكنها تؤذي جيرانها فيقول النبي صلى الله عليه وسلم هي في النار، وسئل عن امرأة أخرى قليلة الصيام والصلاة والصدقة، ولكنها تحسن لجيرانها فقال هي في الجنة.

وقد وعد الله المسلم الذي يقف بجوار صاحبه أن يرزقه في الدنيا والآخرة فقال صلى الله عليه وسلم «كان الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»؛ بحيث يشاركه فرحته ويفرح له ويخفف عنه آلامه إذا مرض؛ فكل هذا من أعمال القلوب فليست أعمال القلوب بين العبد وربه خاصة بل تشمل بينه وبين نفسه وبينه وبين غيره.

الدكتور عبد الله ربيع أستاذ كلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر يقول إذا نظرنا إلى واقعنا اليوم بشأن المعاملة بيننا نجد أن كثيرا من الظروف والمعطيات الدنيوية انعكست بشكل كبير على معاملاتنا، وفي أغلبها يتم الخضوع لهذه الظروف دون الاعتبار للعقيدة وموروثاتنا الدينية والاجتماعية التي جعلت منا أسرة واحدة مهما كانت المبررات.

أشار ربيع إلى أن الأخلاق الطيبة بين الناس واحترام الآخر من صفات المؤمن التي يجب أن يتحلى بها، وأن تكون علاقته بالآخرين مبنية على الود والمحبة والأخوة، وأوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بالجار، وقديمًا قيل اختار الجار قبل الدار.

لكن في مجتمعنا المعاصر كثير منا لا يعرف من هو جاره، وما اسمه، وكيف حاله، وتحدث الرسول عن الجار فقال «أتدرون ما حق الجار؟ إن استعان بك أعنته، وإن استنصرك نصرته، وإن استقرضك أقرضته، وإن افتقر عدت عليه، وإن مرض عدته، وإن مات تبعت جنازته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا تستعل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، فان لم تفعل فأدخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده».

تقول الدكتورة عزة كريم أستاذ علم الاجتماع إن الدراسات والبحوث الاجتماعية استقرت على أن الإنسان بطبعه وتكوينه كائن اجتماعي، ولكن يفترض أن تكون علاقاته بالآخرين مؤثرة ومفيدة، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بإشعار الآخرين أنهم مهمون، وكذلك شعورهم بأنك مهتم بأعمالهم التي يقومون بها؛ بدلاً من أن يكون الإنسان أنانيًا، وليس لديه الاستعداد الاهتمام بأشياء الآخرين، وكأنها لا تخصه.

معلومات

الدكتور أبو سريع عبد الهادي أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر يقول إن هناك مجموعة من الأخلاق يجب أن يتصف بها المسلم في التعامل مع أخوانه المسلمين الذين يشاركونه في المجتمع، ومن أهم هذه الصفات الصدق والأمانة والتعاون على البر والتقوى والنصيحة لكل خير.

وحينما تقوم العلاقة على هذه الصفات تصبح علاقة إيمانية مؤثرة، ويجب على المسلم أن يحسن معاملته مع جاره، وحدد العلماء دائرة الجيرة إلى مدى أربعين داراً من كل جهة من الأمام واليمين والشمال.