الأُمنيات الكبيرةِ تنبُتُ على أَفواهِ الصّغارِ حينَ يولّدون. حينَ يولَدون، تتبوسَقُ الأَحلامُ بِهِم، تنمو على ملامِحِهم الصَغيرةِ قِصَصٌ يُطرّزُها الآباءُ بِأَناةٍ وحَذَر، تَفتَحُ للمُستقبَلِ أبواباً موصَدة.

كُرسيٌّ، و بابٌ عتيق، وشجَرتانِ صامِتَتانِ على أَكُفِّ الأَرضْ، مُمتدٌّ فيهُما شيبٌ رَماديٌّ باهِت. هِيَ الأشياءُ تَذْوي هكذا عندَما يهْجُرُها أحِبّاؤُها.. تَبهُت، و تذبَلُ صامتة.. يَشْعُرُ بِها قِلّةٌ يرَوْنَ أنْفُسَهُم في مُتناوَلِ مِرْآتها!

يبدو النّاسُ مُستعجلينَ هذا اليوم، تتخَطّفُهُم مشاغِلَ الحياةِ من بينِ يدَيّ الأيّامِ وَهُم لا يعلَمون.. ألا يُرهِقُهُم التّعَب؟! هذهِ الجُملة كثيراً ما يختمُ بِها أبو عبدالله تساؤُلاتِهِ كُلّ نهار. أبو عبدالله شيخٌ مُسِنّ ساقَهُ الزَّمنُ إلى الوحدةِ بعدَ أنْ زوَّجَ أَبناءَهُ الثَّلاثة عبدالله ومحمد وماجد، وراحَ كلٌّ منهُم في خطِّ حياةٍ مُستقلّ، في حين يجلِسُ أبو عبدالله في بيتِهِ القَديمِ يُناجي ما تبَقّى لهُ من ذكْريات، ويحاوِلُ استفزازَ صمتِ الأَشياءِ التي تملأُ عالَمهُ المحدودِ بحدودِ بيتِه، و يبدَأُ معها حواراً جديداً.

الأَشياءُ في بيت أبو عبدالله لا تَتحرّكُ كثيراً، فهُوَ لا يذْكُرُ آخِرَ مرّةٍ حرّكَ فيها تُحفةً قديمةً أو كُرسيًّا. هُوَ يُؤْمِنُ بأنّ الأشياءَ تألَفُ أَماكِنَها، فَلِمَ هذا التّدَخُّلُ الإنسانيُّ المُتَطفِّلُ للتَّغيير؟ هكذا هُم البَشَر.. يُحاوِلونَ تغيير كُلِّ شيء ولا يأْبَهون! هُم يُعَمّرون، وهُم يهدِمون، ضارِبينَ بِقوانينِ الطبيعةِ عرضَ أكبَرِ حائطٍ تراهُ أعْيُنُهم التي لا تشْبَع!

وَحْدَها هذهِ الأشجارُ طيّبَة، وَحْدَها تُصْغي إليَّ من دونِ تذَمُّرٍ أو مَلَلٍ كالذي أَراهُ على وجْهِ عُمَر في بعضِ الأَحيانِ و يخْجَلُ هو أن يُصرّحَ بِه. لعلّها خُلِقَت لِتمتصّ مآسينا في عُروقِها، و تمنَحُنا بالمُقابِلِ الأُكسجين. اللّونُ الأخضَر يُحيي الأَماكِن المهجورة ويشرحُ الصّدر كما كان يُردّدُ جاري أبو محمّد. رحمكَ الله يا أبا محمّد، مات ولم يتحقّق حُلمه بولدٍ يحمِلُ اسمَه لتمتدَّ روحُهُ فيهِ جيلاً آخر. وبالرغمِ من ذلك كان يُناديهِ الناس بـ أبي محمّد.

بناتُهُ السّبعُ مازِلْنَ يهتممن بِبيْتِ والدِهنّ على الأَقل! أحْفادُكَ يركُضون ويلعبونَ في منزلِكَ يا أبو محمّد، مازالَ مُضاءً و يركُضُ فيهِ صغارُ بناتِك، أصواتُهم الصغيرةُ، الشيء الوحيدُ الذي يمنحُ هذا الحيّ الحياةَ يومَ الجُمعة.

على الرّغمِ من أنّي لم أُناقِشْكَ يوماً في موضوعِ الابنِ الذي تمنيّته، إلاّ أنّني بِتُّ لا أرى فرْقاً كبيراً بينَنا. أبنائي الثلاثةُ شغَلتهُمُ الحياةُ عنّي، أرى أبناءَهُم في المُناسباتِ فقط، فَهُم دائِمو الانشغال؛ أَخذَتْهُم الحياةُ منّي. عُمَر - سائقي- وحدَهُ من يُشاركُني قصص أبنائهِ كُلّ يوم، إمامُ المَسْجِدِ يسأَلُ عن أحوالي بينَ الفينةِ والأخرى، ومنذُ أن انتقَلَ أبو سعيد إلى بيتِهِ الجديد، لم أعُد أسمَعُ عن أخبارِهِ شيئاً.

حَلَّ في بيتِهِ مُستأجرونَ أجانِب، لمْ يُعلّمنا أحدٌ لهجتهُم، ينامونَ نهاراً ليُزعجونا ليلاً بأصواتِ حفلاتهِم كُلّ أسبوع، والتي تمتدُّ إلى الفَجْر. حتّى عُمَر ينزَعِجُ منهم، عندما يستيقظُ صباحاً ليُحضّر ليَ الإفطار يتذمّرُ من إزعاجِهِم كثيراً، فأُسكتُه عندما يحينُ وقتُ نشرةِ الأخبار الصباحيّةِ التي تُبقيني على اتصالٍ ضعيفٍ مع هذا العالمِ المُتغيّر.

نَكبُرُ بأَحلامٍ لا نُحقّقُ مِنْها الكثير. يبْقَى رصيدُنا من الأُمنياتِ التي تحقّقت ضئيلاً جدّاً، ماذا سنأخُذُ من هذهِ الحياةِ معنا على أيِّةِ حال؟!

تأخّرَ عُمَر كثيراً، قال إنّهُ سيُقابلُ أحدَ أصدقائهُ؟ عند البقالةِ المُجاورَة للمسجِد، حتّى عُمر ليس لديهِ وقتٌ ليجلِسَ معي، ولكنّي لا أستطيعُ الاستغناءَ عنه، صديقُ وِحدّتي هُوَ...

يجيء عُمَر- وقد حانَ وقتُ صلاةِ المَغرِب، وَيَقِفَ حِوارُ الوحدةِ اليوميّ عندَ هذا الحدّ..

حنان أحمد