كان المشهد مألوفاً للجميع حيث اعتاد سكان البناية على رؤية السيدة «رنا» وهي تكيل الشتائم لواحد من أربعة أشخاص يمثلون الشريان الحيوي للسكان.. صبي «السوبر ماركت» الذي يقوم بتوصيل الاحتياجات لهم، ناطور البناية، والعامل المسؤول عن غسيل السيارات في الموقف.

بالإضافة إلى خادمتها المسكينة، ورغم تكرار المشهد إلا أنه بقي مثيراً لانتباه الكثيرين المتعاطفين مع هؤلاء المساكين الذين كانوا يتلقون إهاناتها صامتين، وفي إحدى المرات همّ أحد السكان بالتدخل لصالح الخادمة، إلا أن نظرة قاسية وعبارة أكثر قسوة من السيدة «رنا»: (إكس كيوز مي لا تتدخل فيما لا يعنيك) كانت كفيلة بانسحابه جاراً أذيال الخيبة منهياً بشكل درامي موقفاً بطولياً أمام الخادمة التي شعرت للحظة بأنها تعني (لأحد ما) شيئاً، وبأن هناك من يشعر بما تعانيه.

في ذلك الصباح كان «أحمد» يرتدي أفضل ما عنده.. البذلة السوداء التي لا تظهر إلا في المناسبات.. وأي مناسبة أهم مما هو مقبل عليه اليوم، فهو على موعد لتسلم مهام عمله كمحاسب في إحدى الشركات العقارية بعد أن كاد اليأس يصيبه من إمكانية الحصول على عمل بعد أن تم الاستغناء عن خدماته من عمله السابق، كما أن فترة السماح التي منحت له من قبل تلك الشركة لتسوية وضعه توشك على الانتهاء ما يعني أن هناك خياراً وحيداً أمامه: العودة غير المظفرة إلى الوطن.

وبرشاقة ضغط زر طلب المصعد الذي كان قادماً من الأعلى بتؤدة اعتاد الجميع عليها أيضاً دون تذمر ودلف بسرعة لدى وصوله خوفاً من أن يفوته ما يعني الانتظار مطولاً من جديد، وكاد أن يصطدم بتلك السيدة التي ينتشر عطرها بكثافة داخل الصندوق الحديدي..: صباح الخير وأنا متأسف جداً قال لها بأدب جم، إلا أنها لم تلتفت إليه ولم تجبه بشيء وواصلت النظر إلى الأعلى بصمت لم يقطعه سوى رنين هاتفها المتحرك وبدأت بالحديث مع المتصل.. طبعاً أنا بانتظاركم اليوم.. أكيد «البارتي» سيكون في الموعد المتفق عليه.. أرجوكي لا تخبري «ندى» عن اسم المحل الذي اشتريت منه فستاني الذي سأحضر به الحفلة فأنت تعرفين مدى غيرتها حيث ستذهب لشراء مثله.. اوكي باي باي

وفيما الاهتزازات الخفيفة للمصعد تعلن عن قرب الوصول قامت السيدة بوضع نظارتها الشمسية السوداء على عينيها وخرجت من المصعد بأنفة كبيرة، مطلقة صيحة حادة بوجه الناطور «مبارك» الذي كان يقف على باب غرفته.. أنت مهمل وكسول فقد طلبت منك مرات عدة أن تحضر عامل الصيانة لتصليح «الدوش» لأنني أعاني وأنا (باعمل شاور)، وبابتسامة منكسرة يرد «مبارك».

ويوضح لها بأن عامل الصيانة ذهب في إجازة لزيارة عائلته في الوطن والشركة لم تحضر بديلاً له بعد، نظرت إليه بامتعاض كمن لم تقتنع بالمبرر واندفعت بتأفف واضح إلى حيث سيارتها عابرة الكثبان الصغيرة في الموقف الترابي وانطلقت بسيارتها ذات الدفع الرباعي مطلقة غباراً كثيفاً احتاج لبعض الوقت لينجلي، و«أحمد» الذي كان يتابع المشهد بحزن سرعان ما نفضه عنه حتى لا ينغص عليه فرحه في يومه الأول للعمل، وركب سيارة الأجرة منطلقاً إلى مقر الشركة، وفور وصوله بادر المدير المسؤول بوضع الملفات أمامه.

مشيراً إلى أن أمامه مهام جساماً هذا النهار أهمها توجيه الإنذارات لسكان البنايات التي تعود ملكيتها للشركة بسبب تأخرهم في دفع الإيجارات، لافتاً انتباهه إلى خمسة ملفات يجب اتخاذ الإجراءات القانونية بحق أصحابها نظراً لاستنفادهم كل الفرص لتسوية أوضاعهم وذممهم المالية لدى الشركة، وباشر «أحمد» بالاتصالات وتبليغ الإنذارات لأصحابها.

وفيما هو في أوج انهماكه بعمله تناهى إلى مسامعه صوت نسائي يعرفه جيداً تطلق سيلاً من التوسلات مستعطفةً المدير العام لمنحها فرصة أخيرة للدفع قبل طردها من الشقة.

فيما المدير يعتذر بأنها نالت فرصاً أكثر مما ينبغي ولا مجال لذلك مجدداً، وطلب منها مراجعة المحاسب لوضع الترتيبات الخاصة بكيفية دفع المبلغ بعد إخلاء الشقة.

الصدمة كانت كبيرة له عندما دخلت السيدة إلى غرفته فيما لم تحتمل هي الأمر فانهارت على الكرسي باكية لدى رؤيتها له «إكس كيوز مي» إنها.. هي.. السيدة رنا.

خالد اللوباني