استقبلت خالدة ضيوفها بترحاب كبير وقد اجتهدت كعادتها في تهيئة مأكولات الضيافة التي عرفت بها بين جمع الأصدقاء، لكن شهد ابنتها اختفت عن صالة الاستقبال بينما سألت عنها عمتها، فقالت الأم بفخر: لقد اشترى لها والدها كمبيوتر وصارت تجلس كل يوم عدة ساعات في غرفتها فهي متفوقة في الكمبيوتر وتستخدم الانترنت لذا لا أزعجها فأنا أتمنى أن تتعلم ابنتي ما لم أتعلمه أنا.

لم تستطع العمة وزوجها أن يخفيا استغرابهما فما الذي تفعله ابنة الأربعة عشر ربيعا على شبكة الانترنت ساعات طويلة، إلا إذا كانت تعمل على مشروع تقني يساعدها في دراستها، وحين حاولا معرفة ما الذي تعرفه الأم عن الانترنت كانت تجيب بأنها لا تعرف شيئا لكن ابنتها تخبرها انه عالم كبير وحديث وعلى الشباب ان يكونوا على تواصل دائم معه.

ذهبت الضيفة إلى غرفة الفتاة مدعية أنها ترغب بالسلام عليها وقد أقلقها وجود الانترنت عند مراهقة لا يستطيع أهلها مراقبتها لأنهم لا يعرفون عن تقنياته، طرقت المرأة الباب ودخلت فارتبكت الفتاة التي كانت تتوقع أن تكون والدتها هي الداخلة فحاولت أن تغلق نافذة الكمبيوتر لكن ارتباكها لم يسعفها وبقيت النافذة معلقة بينما اتجهت إلى الضيفة لتلهيها عن الكمبيوتر، وصاحت مرحبة: عمتي اشتقت إليك؟

ـ لو كنت اشتقت إليّ لجئت لتحيتي، ما الذي يشغلك عني يا حبيبتي؟

ـ لا شيء يا عمتي أحاول أن احل بعض الواجبات المدرسية على الكمبيوتر؟

ـ إذن دعيني أساعدك؟

ـ لا لا يا عمتي لقد انتهيت، تعالي نخرج من الغرفة، لكني أرى ان هناك من يسأل عنك في الانترنت هل تحاورين أحدا هناك؟

ـ نعم إنها صديقتي في المدرسة أدخل معها على المسانجر؟

ـ وهل صديقتك اسمها حمد وترسل لك قلوب حب؟

كانت الفتاة مرتبكة أمام عمتها التي تعرف مدى اهتمامها بها ومدى جديتها، وقد أحرجها معرفة العمة بتفاصيل تقنية الانترنت التي جعلتها تكتشف ما لم ينتبه إليه والداها، فرجتها ألا تخبر أحدا بالأمر وسوف تنهي تلك التصرفات.

وهل تعدينني أنك لن تستخدمي الانترنت في تكوين علاقات مع أشخاص لا تعرفينهم؟

ـ أعدك يا عمتي.

ـ حسنا أعطيني عنوان بريدك الإلكتروني لأبعث لك أسماء مواقع مفيدة.

ـ هذا هو كتبته على تلك الورقة.

بعد مرور عدة أسابيع فتحت الفتاة بريدها الالكتروني لترى رسائل المعجب الذي راسلها بكلمات جميلة وصارت تبادله العواطف والرسائل الرقيقة، وما أن فتحت رسالته الجديدة حتى صدمها ما رأت فقد كانت الرسالة تقول: (أنا عمتك، ادعيت أني شاب معجب بك لأثبت لك أن هذا العالم مليء بالخداع ولأذكرك بوعدك الذي أخلفته، أنا قادمة إلى بيتكم لأخبر والديك بما حصل ولتعرفي فداحة الخطأ الذي ارتكبته).

أغلقت الفتاة جهاز الكمبيوتر وهي ترتجف رعبا، ولا تعرف كيف تحل تلك المشكلة الكبيرة التي أوقعت نفسها بها، اتصلت بعمتها باكية

ـ عمتي أرجوك لا تخبري والدي وسأفعل كل ما تطلبين مني.

ـ لكن واجبي يحتم علي أن أخبر والديك، فقد أعطيتك فرصة في المرة الأولى.

ـ لم أكن مقتنعة بكلامك في البداية وكنت أرى نفسي كبيرة وأستطيع أن أفعل ما أشاء، والآن عرفت الخطر الذي يمكن أن يأتي من الانترنت.

ـ وهل ستتغيرين حقا؟

ـ أعدك وسأطلب من والدي أن يقطع الانترنت.

ـ لا يا ابنتي الانترنت نافذة معرفية يجب أن نستغلها ونطلع منها على ما يحصل في العالم، سأضع ثقتي بك هذه المرة. عادت شهد إلى القراءة هوايتها المفضلة، وقرأت قصة الفتاة الأميركية التي انتحرت بعد أن عرفت أن حبيبها عبر الانترنت كان امرأة، ابتسمت لأنها توقفت عن الولوج في هذا الطريق المرعب.

دلال جويد