وقفتُ إلى جانبه، أنتظر أن ينتهي من إدخال بياناته الشخصية مع موظفة استقبال المستشفى، ليحين بعد ذلك دوري، شعرت براحة وطمأنينة أزالت عني القلق على ولدي الذي كان يعاني من المرض، فلن اضطر إلى التحدث بالانجليزية التي لا تسعفني كثيرا، فقد كانت الموظفة إماراتية تبادر المراجعين بالتحدث بالعربية.

وهو ما نفتقده في كثير من الأحيان في مؤسساتنا الرسمية والخاصة، كانت تسأله فيجيب لملء ملفه الشخصي، الاسم: فلان الفلاني، العمر:45 عاما، الجنسية: هنا رفع رأسه عالياً وتغيرت نبرته سريعاً، وبابتسامة فيها هيئة الانتصار: I am from USA.

نظرت إليه الموظفة غير مصدقة، فأعاد عليها USA ، توقف القلم بين يديها برهة، ثم كتبت بالعربية في الخانة المخصصة، الجنسية: الأميركية، وقفت أتأمله فلا زالت ملامحه عربية، وكان يتحدث لابنه الذي كان يقف إلى جانبه تارة بالعربية، وتارة أخرى بالانجليزية.

ولكنه بدّل رداءه ودمه وتغيرت ملامحه بلحظة واحدة، وارتدى عباءة أجنبية، وكأن جنسيته العربية أصبحت وصمة عار، ومدعاة للخجل يفر منها بجواز سفر جديد، يمر به عبر كافة نوافذ العالم كالعصا السحرية التي يستخدمها من اجل الحصول على التسهيلات السريعة والاحترام والتقدير، كيف لا..!؟ وهو يتبع لأقوى دولة على وجه الأرض والمتفردة في سيادة العالم.

خالجني الصمت، كتمت الحزن في قلبي، راجعت الطبيب وأخذت الدواء وعدت مسرعاً إلى البيت، لأعيد تصفح رسالة وصلتني عبر البريد الالكتروني من احد الأصدقاء يذكرنا بالزمن الجميل، حيث كنا نسود العالم في جميع الميادين، ونفخر بأصولنا ومنابتنا العربية.

ونتفوق على غيرنا من الأمم في كل شيء، يوم كانت شمسنا نهضتنا وحضارتنا تشرق على الأرض قاطبة فتمنح الجميع من خيرها من منٍّ ولا أذى وتنير أمام جميع العالم مشاعل النور.. فطرقنا أبواب العلوم والطب والهندسة والفلك والرياضيات والفيزياء.. وطرقنا أبواب الحضارات السالفة فترجمنا كتبها واستللنا من بطونها ينابيع الحكمة وطوعناها لنخرج أطيب ما فيها.

الرسالة كانت موجهة من الملك جورج الثاني ملك انجلترا والسويد إلى خليفة المسلمين في مملكة الأندلس هشام الثالث يستأذن به الملك لقبول الأميرة دوبانت ابنة شقيقته لتنهل من أنوار العلم في بلاد العرب بالأندلس، للرقي العظيم التي تتمتع به معاهد العلم والصناعات العامرة في بلاد المسلمين، واقتباس نماذج الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء اثر العرب لنشر أنواع العلم في بلادهم التي يحيط بها الجهل.

لقد كان هذا هو الزمن الجميل المشرق الذي نفخر به والذي قدمنا فيه أروع النماذج في التسامح والإبداع في شتى العلوم حتى كانت مصطلحات العلوم جميعها لا تمر إلا من باب العربية والهوية الإسلامية التي تؤمن بأن الحكمة ضالة المسلم أينما وجدها فهو أحق بها، وما زالت كتبنا الأقدمين من أجدادنا تدرس في الكثير من الجامعات الغربية علامة على التميز والفرادة والإبداع الإنساني الثري.

قلت لنفسي هكذا كنا نملأ الآفاق بالعلم والمعرفة، نسود العالم ونتفوق عليه بكافة الميادين، كنا نفتخر بأصولنا ومنابتنا العربية، أما اليوم فأصبح يطلق علينا العالم الثالث، وغدونا في آخر ركب الحضارة بعد أن كنا روادها والحاملين لمشعلها أمام الأمم، واليوم يتنصل الكثيرون من أبنائنا من هويتهم وبدأوا يبحثون عن جوازات سفر أجنبية، يحاولون من خلالها تغيير الجلود والرائحة لطمس الملامح التي فيها ملمس النخوة العربية، التي لا تذوب رغم محاولات التشويه والاستدراج الغربي، ولكننا امة رائدة هكذا كنا فعسى أن نعود.

فراس العويسي