بمشاعر مختلطة ظاهرها الفرح وفي العمق حزن شديد انهمكت «سلام» مبكراً في إنجاز الأعمال المنزلية، فقد كانت خطتها لهذا اليوم تقضي بأن يعود زوجها إلى المنزل من عمله وكل شيء معد تماماً لاستقباله، بحيث لا تفلت منها أيٌّ من التفاصيل التي قد تسبب كدراً له، خاصة وأنهما على موعد لتناول طعام العشاء خارج المنزل بدعوة منها أبقت سببها سراً عنه ولم يتمكن بدوره من فك اللغز.
وأطلقت العنان لأدواتها المختلفة في غرف البيت تنفض الغبار عن ذاك المقعد الخشبي وتمسح الواجهة الأنيقة التي تغص بالكتب، كما باشرت بترتيب المجلات التي قام الزوج بقراءتها ليلة أمس تاركاً إياها مرتبة ولكن بعيداً عن أماكنها المعتادة، وأثناء ذلك أفلتت من بين يديها مجلة ثقيلة الوزن لتنفتح صفحاتها على مجموعة من الأطفال الذين يطلقون الفرح أمام الكاميرا معلنين عن وصول تشكيلة من الملابس زاهية الألوان لأحد المحال الكبرى..
بحنان شديد تأملت وجوههم وضحكاتهم، وبحنان أشد أعادت إغلاق المجلة ووضعها مع الأخريات على الرف الخشبي.. وجلست تستريح قليلاً من جهد منزلي لم تعتد على القيام به منذ ثماني سنوات هي عمر زواجها كانت الخادمة تكفيها شره طوال الفترة الماضية وحتى أيام إجازتها الستة من عملها لم تفعل خلالها أي شيء سوى الجلوس أمام التلفاز دون متابعة جدية لبرامجه وإطلاق سراح الذاكرة نحو أماكن شتى.
لم تعرف مقدار الوقت الذي أمضته وهي تمنح ذاكرتها جهداً إضافياً بحيث لم تستفق إلا على صوت جرس الباب الذي أعلن عن وصول الزوج الحبيب...وبلهفة ركضت نحو الباب لاستقباله وبلهفة أشد شد على يدها قائلاً: لقد اشتقت إليك كثيراً.. فانهمرت دموعها بسرعة وتمتمت قائلة ردا على تساؤله عن سر هذه الدموع... لا أدري.. لا أدري ما السبب
وانطلقا بسيارتها التي لم تتوقف إلا أمام مطعم يقع في أحد الشوارع الفرعية المضاءة ببخل مقصود..
ـ ولماذا هذا المكان بالذات يا حبيبتي؟
ـ ألا تذكر لقد ضم هذا المطعم أول لقاء لنا بعد التعارف
ـ وكيف أنسى؟ قالها بحنان كبير وهو يشبك أصابع يده بيدها وهما يلجان إلى الداخل..
وأشعل النادل الشمعة على المائدة التي كانت «سلام» قد حجزتها في ركن قصي من المطعم وانطلق لإحضار الطعام تاركاً الزوجين العاشقين يرسمان روح الموعد الأول وفيما كانت الشمعة تذوب أمام ناظريهما وهما صامتين، أطلق مصطفى سؤاله: ألم يحن الوقت يا حبيبتي لكشف سر هذه الدعوة
ـ لقد ذهبت إلى الطبيب أمس
ـ وهل جئت بي إلى هذا المكان لنتحدث في هذا الموضوع الذي أكرهه
ـ لقد أخبرني..
ـ أرجوك، لا أريد أن أعرف شيئاً
ـ لقد أكد لي الطبيب بأن لا أمل لي في الإنجاب مطلقاً حتى بواسطة العلم الحديث
ـ لا يهمني هذا الأمر مطلقاً
ـ وأنا لا يهمني الأمر أيضاً
ـ ممتاز إذاً حلت المشكلة
ـ ولكنك أنت من يهمني جداً
ـ ماذا تقصدين؟
ـ لا يمكن أن أكون أنانية وأحرمك من الأولاد
ـ لا أريدهم، أريدك أنت
ـ لقد اتخذت قراراً لا رجعة فيه بعد قليل سأتركك متوجهة إلى منزل صديقتي لأبيت عندها حتى الصباح الباكر موعد الطائرة المنطلقة نحو الوطن
ـ هكذا وبكل بساطة؟
متفحصة كامل تفاصيل وجهه على ضوء الشمعة الآخذة بالذبول نظرت إليه ملياً ثم أشاحت بوجهها عنه لتخفي ما ينهمر من العيون.. ونهضت واقفة فجأة.. وغادرت المكان دون التفاتة..مستسلماً تابعها بنظره حتى رحلت، ثم عاد لمتابعة احتراق الشمعة التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة.. وانطفأت ليعم الظلام المكان.
خالد اللوباني
