في إحدى الليالي بينما كان الضابط المناوب يراقب حركة المرور على الكاميرات في غرفة العمليات تلقت الغرفة اتصالاً من سيدة، كان بادياً عليها الخوف، فقد كانت تصرخ بأعلى صوتها وتقول أرجوكم الحقوني... ساعدوني... زوجي يحمل سيفاً ويريد قتلي.

تحديد مكان الاتصال

طلب الضابط من المسؤولين عن الكاميرات وأجهزة الاتصال تحديد مكان المكالمة حيث إن المرأة المتصلة لم تستطع أن تحدد عنوانها بدقة، فقد كان صوتها ضعيفاً وبادياً عليه الخوف. طلب الضابط من المسؤولين عن استقبال المكالمات أن يستمروا في الحديث مع المرأة أطول فترة ممكنة حتى يتم بالضبط معرفة مصدر المكالمة أولاً، وثانياً لإعطائها الأمان بأن الشرطة تسمعها وتصل إليها لتساعدها.

بعد أن تم تحديد الفيلا التي صدر منها الاتصال الهاتفي قام الضابط بالاتصال بأقرب دورية كي تتوجه إلى هناك وأن تحاول حماية المرأة أو أي شخص موجود في الفيلا ومحاولة إقناع الرجل إن أمكن بعدم إيذاء زوجته والتفاوض معه لأخذ السيف منه. في هذه الأثناء زاد صراخ المرأة وهي لا تزال على الهاتف مع الضابط ترجوه أن يسرع لنجدتها، كان الضابط يتمنى لو أن لديه طائرة عمودية كي توصله إلى تلك السيدة المسكينة التي يحاول زوجها قتلها بالسيف.

طلب الضابط من السيدة أن تُبقي الهاتف مفتوحاً حتى يعرف تطورات ما يحدث، كان الضابط يسابق هو ورفاقه الريح حتى وصلوا إلى الفيلا، وكانت سيارة إحدى الدوريات قد سبقتهم إلى المكان، حاول الضابط أن يتحدث مع السيدة ليخبرها بأنه قد وصل هو ورفاقه من رجال الشرطة، إلا أن السيدة لم تُجب. خاف الضابط أن يكون قد وقع مكروه للمرأة، لذا طلب من رجال الشرطة الذين كانوا معه أن يحموه من الخلف حيث قرر أن يدخل الفيلا متسللاً دون أن يشعر به زوج المرأة.

كان الجميع خائفين على حياة الضابط لدخول الفيلا وحده لكنه في المقابل أقنعهم بأن دخوله وحده لن يلفت انتباه الرجل المسلح بسيف. كان الجميع يحبسون أنفاسهم وهم يترقبون ما سيحصل للسيدة وللضابط، وفجأة صاح الضابط وهو يقول للزوج: «اتركها وإلا سأطلق الرصاص عليك»، كرر الضابط هذه العبارة أكثر من مرة وكان صوته عالياً بحيث سمعه أفراد الشرطة الذين كانوا ينتظرون في الخارج، فما بالك بزوج المرأة الذي كان قريباً منه.

بعد أن كرر الضابط هذه العبارة مرتين وثلاث مرات سمع مَن في الخارج إطلاق الرصاص حيث هرعوا إلى داخل الفيلا فوجدوا المرأة تنزف من ذراعها إلى حين وجدوا زوجها على مسافة منها وهو ينزف أيضاً، فقد صوب الضابط المسدس إلى صدره وأطلق الرصاص عليه بعد أن رفض أن يترك المرأة، حيث ضربها بالسيف وكاد يقطع ذراعها. تم استدعاء سيارة إسعاف حيث حملت المرأة إلى المستشفى وهي تنزف، أما زوجها فقد توفي في الحال، حيث إن ثلاث رصاصات اخترقت صدره وكانت كافية لقتله في الحال.

بداية التحقيق

لم يصدق الضابط نفسه بأنه قتل الرجل لكن الشهود من رجال الشرطة قالوا إن الضابط حذر الرجل أكثر من مرة وإنهم سمعوا ذلك ولكن على ما يبدو أن الرجل لم يستمع إلى التحذير فهاجم زوجته بالسيف وكاد أن يقتلها. في أثناء التحقيق مع الضابط قال للجنة التحقيق التي تشكلت للبحث في مقتل الرجل إنه اضطر لأن يطلق النار على الرجل بعد أن شاهده يحاول قتل زوجته.

وأضاف الضابط بأنه لولا استخدامه للسلاح لكان الرجل قتل زوجته فعلاً والدليل على ذلك ذراعها التي تنزف من ضربة السيف. أصدرت اللجنة قراراً بتأنيب الضابط لأنه تسبب في قتل الرجل فقد قالت اللجنة إنه كان الأجدر به أن يطلق رصاصة تحذيرية وفي حالة إصرار الرجل على قتل زوجته كان على الضابط أن يضربه برصاصة على ساقه حتى يخيفه ويكون عندها اعتقاله والسيطرة عليه، وأمرت اللجنة بسجن الضابط ستة أشهر مع وقف التنفيذ، هذا الحكم لم يُعجب الضابط كما أنه لم يعجب رفاقه من رجال الشرطة الذين كانوا معه.

فقد كانوا يأملون أن يأخذ الضابط جائزة على شجاعته لأنه عرّض حياته للخطر في حين لم يسمح لأي شرطي بالذهاب معه إلى داخل الفيلا حتى لا يؤذى أي من رجاله. بعد يومين من دخولها المستشفى تم استجواب المرأة التي قالت بأنه حدث نزاع بينها وبين زوجها على نصيبها في تركة والدها، حيث كان الزوج يريد أن يأخذ جميع الأموال التي تركها لها والدها ليتاجر بها في الأسهم في حين رفضت هي ذلك، مُعللة بأن زوجها ليست له دراية في الاتجار بالأسهم، وهذا قد يؤدي لأن تخسر جميع ثروتها.

وأضافت، حاول زوجها في البداية إقناعها بأن الأسهم ستدر عليهما أموالاً كثيرة إلا أنها لم تقتنع، مما أجج الخلاف حيث هددها زوجها بالقتل وحاول قتلها فعلاً لولا أن الضربة الأولى من السيف لامست ذراعها، حيث حاول الرجل أن يصل بالسيف إلى عنقها إلا أن الضابط كان أسرع منه فأنقذها من الموت المحقق.

الاستقالة من الشرطة

أحس الضابط بإهانة كبيرة من قرار اللجنة، لذا قدم استقالته احتجاجاً على ذلك ورغم أن الكثير من زملائه الضباط حاولوا إقناعه بعدم الاستقالة إلا أنه أصر على ذلك قائلاً بأنه لن يخدم في جهاز لا يقدر تضحيته وخدماته. بعد أن استقال من الشرطة توجه الضابط إلى التجارة حيث بدأ الاتجار بالعقارات باعتبار أن أسعارها في صعود دائم ودخلها مضمون.

استطاع الضابط أن يحقق خلال عام واحد أرباحاً كبيرة لم يكن يتوقعها، لذا قام بالاستثمار بالأسهم والبورصة كما بدأ يوسع علاقاته التجارية إلى الدول المجاورة. بدأت سمعة الضابط التجارية تزداد صعوداً ومعها تضخم رأسماله حتى تجاوز المئات من الملايين، حتى أنه بدأ يتحكم في قطاع معين من العقارات.

في إحدى الصحف قرأ ان دولة أوروبية ترغب في طرح أسهم ثلاثة موانئ لها في المزاد العالمي، فما كان من الضابط إلا قدر أن يستغل الفرصة حيث قدم نفسه على أنه مستثمر وطلب من تلك الحكومة أن تقبله شريكاً على أن يغطي 30% من تلك الأسهم، وهنا بدأت الصحف الأجنبية تتناقل أخباره .

وأصبح نجماً يفوق في شهرته نجوم هوليوود، أما المجلات والنشرات الاقتصادية فقد جعلته على صدر أغلفتها. بات الضابط يتألق في عالم التجارة والأعمال وأصبح يقضي معظم أيام السنة في الخارج يتابع مشاريعه وأعماله التجارية.

خبر سيئ

في أحد الأيام تلقى مركز الشرطة اتصالاً هاتفياً من سيدة تقول بأنها والدة الضابط، كانت السيدة تبكي وتقول أرجوكم ساعدوني أرجوكم انقذوا ابني، انتقلت دورية من الشرطة يرافقها فريق من البحث الجنائي وفريق آخر من المختبر الجنائي إلى العنوان الذي أخذوه من السيدة، دخل فريق البحث إلى الفيلا التي يقيم فيها الضابط وجدوا والدته تبكي بالقرب من سريره من خلال الفحص الأول تبين أن الرجل قد فارق الحياة، كما تبين أن هناك نقاطاً من الدم على السرير وآثار دم جاف خارج من فمه.

عند سؤال والدته قالت بأن ابنها عاد من رحلة عمل في أوروبا قبل ثمانِ وأربعين ساعة فقط وانها استقبلته في المطار ثم أوصلته إلى الفيلا التي يقيم فيها وبعدها انصرفت إلى بيتها وانها عندما جاءت لتراه اليوم وجدته على هذا الحال.

طلب الضابط الذي كان يقود فريق البحث الجنائي أخذ البصمات من كل مكان في غرفة النوم، حيث وجد الرجل ميتاً، وكان من ضمن ما تم التحفظ عليه أعقاب سجائر عليها أحمر شفاه وزجاجة من المشروبات الكحولية وأغطية المخدرات وغطاء السرير والكؤوس التي كانت على المنضدة بجانب السرير.

بعد تحويل جميع هذه الأشياء إلى المختبر الجنائي جاء التقرير الطبي يقول: إن الرجل مات بسبب نزيف داخلي في الدماغ، حيث تعرض لضربة قوية من أداة ثقيلة، كما أشار التقرير إلى أن من خلال فحص ال)خء( تبين أن اللعاب الموجود على أعقاب السجائر وبعض الشعر الذي وجد على إحدى المخدرات يعود إلى سيدة تبلغ من العمر ما بين 28 ـ 30 عاماً بيضاء البشرة شعرها مسترسل أسود، إلا أنه مصبوغ باللون الأشقر.

عند سؤال والدة الرجل إن كانت تعرف سيدة بهذه الأوصاف قالت بأنها عندما استقبلت ابنها في المطار لاحظت بأن سيدة تتبعهما وأن ابنها ذهب ووقف معها لدقائق ثم انصرفت وعندما سألت ابنها عن السيدة قال لها بأنها إحدى العميلات ولم يعط المزيد.

سأل الضابط والدة الرجل أن تعطي المزيد من المعلومات عن تلك المرأة التي قد تكون هي حلاً للغز جريمة القتل هذه إلا أن الوالدة قالت بأنها لم تتمكن من رؤيتها بشكل واضح حيث كانت تلبس نظارة سوداء وغطاء أسود على رأسها، لكن يبدو أنها سيدة جميلة وأنيقة، أما جسمها فهو متناسق ويزيد طولها على المتر وسبعين سنتيمترا.

ورغم أن هذه المعلومات غير كافية إلا أنها أضافت شيئاً جديداً إلى شخصية المرأة، تم وضع هذه المعلومات إضافة إلى المعلومات التي أشار إليها تقرير الطبيب من المختبر الجنائي في الكمبيوتر، وبدأ المهندسون في الوحدة الفنية في قسم (الغرافيك) وضع عدد من (البروفيلز) للسيدة وعرضها على والدة القتيل حتى توقفت أمام إحدى الصور وقالت نعم كأنها هذه السيدة.

تم نسخ المئات من الصورة وتوزيعها على المخبرين ورجال الأمن، بعد نحو أربعة أيام تلقى الضباط في المركز اتصالاً من إحدى المخبرين يقول انه لاحظ سيدة تشبه صورة السيدة التي معه وأنها تدخن نفس نوع السجائر الذي وجد في غرفة القتيل، وأنها تجلس في فندق وحدها.

طلب منه الضابط أن يراقبها عن كثب كما قام الضباط بإرسال عدد آخر من المخبرين وزعهم على مخارج الفندق ليعرفوا أي سيارة ستستخدم ورقم سيارتها، في هذه الأثناء طلب المخبر من عامل الفندق أن يحضر طفاية السجائر التي كانت أمام السيدة، حيث قام المخبر بأخذ أعقاب السجائر وإرسالها إلى المختبر الجنائي، عندما غادرت السيدة كانت العيون تراقبها من كل اتجاه وقام أحد المخبرين بتتبعها، حيث عرف رقم سيارتها ونوعها ولونها، وعرف أين تسكن.

في أقل من ثلاث ساعات جاء التقرير من المختبر الجنائي يقول بأن اللعاب الذي وجد على أعقاب السجائر في غرفة القتيل وفي الفندق هو لنفس السيدة. كما أن البصمات التي وجدت على أعقاب السجائر في الحالتين متطابقة تماماً.

الاعتراف

لم يُضع الضابط وقتاً حيث أمر باستدعاء السيدة موجهاً لها تهمة قتل الضابط رجل الأعمال المشهور، إلا أن السيدة أنكرت ذلك، كما أنكرت أنها تعرفه أصلاً، لكن الضابط بدأ يحاصرها بالأسئلة والأدلة، حيث انهارت وبدأت تبكي وتقول نعم أنا قتلته.

وأضافت كنت أعيش مع زوجي حياة عادية وفي يوم ارتكبت مخالفة، حيث أوقفت سيارتي في مكان ممنوع، وعندما عدت وجدت الضابط (رجل الأعمال) يقف ليسجل لي مخالفة فبدأت أتحدث معه طالبة منه عدم تسجيل المخالفة، وأخيراً اقتنع لكنه أخذ رقم هاتفي النقال وبدأ يتصل بي، كنت في البداية لا أعير اتصالاته أي اهتمام لكن وجدت بأنني تعودت على تلك الاتصالات وبدأت أسايره في كلامه ومع مرور الأيام تحولت تلك المكالمات إلى قصة حب عنيفة، حتى أنه طلب مني أن أطلق زوجي وأتزوجه، ورغم أنني حاولت إلا أن زوجي رفض طلاقي، كما أن أهلي رفضوا هذه الفكرة ووقفوا إلى جانب زوجي.

وفي احد الأيام بينما كنت معه في غرفة في أحد الفنادق بدأ يخطط لقتل زوجي، ومع أنني لم أرغب في ذلك إلا أنني لم أعترض وكانت الخطة أن أتصل بمركز الشرطة في الوقت الذي يكون هو فيه مناوباً وأن أبدأ أصرخ وأقول ان زوجي يريد قتلي وان يتم تسجيل ذلك في سجلات غرفة العمليات التابعة للشرطة.

وأضافت نفذت الخطة وفي الليلة المشؤومة افتعلت مشكلة مع زوجي واتصلت بالشرطة وقلت لهم بأن زوجي يحمل سيفاً ويريد قتلي، رغم أن ذلك غير صحيح، ثم جاء الضابط ودخل الفيلا وحده وأبقى بقية أفراد الشرطة خارج الفيلا، وعندما دخل إلى الفيلا وجدني واقفة أحمل سكيناً طويلة، فما كان منه إلا أن أخذ السكين من يدي وضربني في ذراعي فانفجر الدم وعندما بدأت أصرخ جاء زوجي ليعرف سبب صراخي ويسعفني فما كان من الضابط إلا أن أطلق عليه الرصاص وقتله.

وعندما قال لها الضابط ان بصمات زوجك كانت على السكين قالت السيدة لقد كان الضابط يلبس في يده قفازاً مطاطياً وعندما أخذ السكين لم تكن بصماته عليها بل بصمات زوجي لأن الضابط بعد أن قتل زوجي أخذ السكين ووضعها في يده فظهرت بصمات زوجي على السكين. وأضافت السيدة استقال الضابط من الشرطة وأعطيته المال الذي كنت قد ورثته عن والدي وكان مبلغاً كبيراً يزيد على مليون ونصف المليون دولار.

وفعلاً دخل الرجل إلى عالم التجارة بأموالي ونجح وعندما طلبت منه أن يتزوجني رفض ذلك معللاً بأنني قد أخونه كما خنت زوجي الأول، ولما قلت له بأنني خنته من أجلك قال لي من المؤكد بأنك ستخونينني من أجل رجل آخر. عندها أحسست بالضياع فقد أخذ مالي ودمر حياتي وها هو يعيش مع نساء أوروبا كما يحلو له، أما أنا فأعيش في عذاب الماضي ومع جريمة قتل زوجي.

وقالت عندما عاد آخر مرة من أوروبا وجدته لم يعد يرغب في لقائي العاطفي، وعندما ذكرته بالماضي بدأ يضحك ويقول بنفسك تقولين بأنه ماضٍ لذا دعي الماضي وشأنه. وأضافت وجدت بأنه لا مجال لأن نتزوج فقد أصبح عنده الكثير من النساء اللاتي هن أكثر جمالاً وشباباً مني، عندها ألقيت رأسي على الوسادة بجانبه .

وبدأت أفكر كيف سآخذ حقي منه وخلال ثوانٍ فكرت وقررت ونفذت حيث أمسكت بزجاجة المشروب الذي كان بجانبه وضربته على رأسه ضربة قوية كانت تحمل كل حقدي عليه وعلى نفسي، وقبل أن يفيق من الضربة الأولى عاجلته بضربة ثانية أقوى منها، ولما تأكدت أنه قد فارق الحياة تركت الفيلا وخرجت لا أدري أين أذهب، فقد فكرت بأن أذهب إلى الشرطة وأقول هناك كل شيء لعلي أغسل خطيئتي،.

لكنني بدلاً من ذلك ذهبت إلى شاطئ البحر، وما كدت أصل هناك حتى رأيت مياه البحر كلها قد تحولت إلى اللون الأحمر وكأنها دماء، فهربت ولم أعد أستطيع الذهاب إلى هناك مرة ثانية. لذا قررت أن أقضي معظم وقتي في الفنادق حيث الحركة والناس لكني في داخلي كنت أموت من الخوف كل يوم ألف مرة، وكنت أهرب من الخوف بالالتصاق بالناس وبالتدخين حيث أدخن بشراهة.

أمسكت السيدة حقيبة يدها وأخرجت منها علبة السجائر وقالت للضابط هل تسمح لي أن أدخن قال لها لا بأس فرغم أنني أكره التدخين إلا أن أعقاب سجائرك هي التي أوصلتنا إليك

إعداد ـ أحمد سلطان