جلست أمام المرآة تتفحص ملامح وجهها، وبحركة عصبية بدأت تمشط شعرها، ثم توقفت لحظة أمام تلك الشعرات الثلاث التي ظهرت في مقدمة رأسها، سرحت طويلا في وتذكرت زواجها، سنة عصيبة مرت عليها لم تذق فيها طعماً للراحة، فلم تكن تدري أن هذا الشاب الذي اقتحم قلبها وطلب يدها للزواج سيأتي عليه يوم يحطم فيه قلبها.

تقابلت معه صدفة في مكتب إحدى زميلاتها في العمل، تجاذبا أطراف الحديث، وبعد أسبوع أفصح لها عن رغبته في الزواج منها، واستمرت خطبتها له عاما كاملا شعرت فيه بالسعادة التي جعلتها تطير فرحا بفارسها القادم على حصان أبيض، ولم يقتصر حبه على قلبها فقط بل استأثر بقلوب أهلها جميعا، ولمَ لا فقد كان طيب الخلق ومهذبا في جميع تصرفاته.

وبعد إقامة العرس انتقلا إلى عش الزوجية وبدأ الاثنان حياتهما، الا أنه وكما يقال تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن، فقد تحول زوجها إلى رجل آخر غير الذي عرفته، فمنذ اليوم الأول وجدته يتركها وحيدة بين الجدران ويذهب ليجلس مع أصدقائه في المقهى ويسهر معهم حتى بشائر الفجر ليعود ليجدها قد استيقظت استعدادا للذهاب إلى الدوام.

تبدلت لغة الحب والمشاعر الجميلة وحلت مكانها لغة الأمانة والضرب واللكمات، حاولت أن تفهم ماذا يحدث؟ وكيف تبدل بعد الزواج إلى رجل مصارع يضرب زوجته وكأنه في حلبة للملاكمة؟، الا أنها لم تجد إجابات واضحة تشفي غليلها وتوضح لها ما جرى.

لم تخبر أحدا من أهلها بما يدور بينها وبين زوجها، وحاولت جاهدة أن تعيد زوجها إلى سابق عهده أيام الخطوبة، الا أنها كانت كمن يحرث في الماء، حتى أنه كلما تحدث مع أمه أو أخوته هاتفيا هرع إليها وأوسعها لكماً وضرباً دون أن يكون لها ذنب، أو أن تكون حتى طرفا في الحوار الدائر بينه وبين أهله.

وذات يوم كان كالقشة التي قصمت ظهر البعير، كانت بصحبته عند والدته، واختفي قليلا داخل البيت، ثم عاد إليها ثانية كالثور الهائج يضربها بكل ما أوتي من قوة حتى سالت منها الدماء وفقدت الوعي وتركها وخرج، أفاقت ووجدت نفسها وحيدة لا أحد حولها يحاول أفاقتها أو تطييب خاطرها، فتحاملت على نفسها وخرجت من البيت تستند على الحوائط حتى نزلت إلى الشارع وذهبت إلى بيت والدها.

وبعد أيام قليلة عرفت أنه طلقها وللأسف بعد عام واحد فقط من الزواج، ووقع ما حدث عليها كزلازل لا يرحم، فسقطت صريعة المرض، ولم تجد من يخفف عنها آلامها سوى أسرتها التي التفت حولها تضمد جراحها، حاولت أن تتصل به مرارا وتكرارا لتستوضح منه ما الخطأ الذي ارتكبته في حقه حتى يفعل بها ذلك الا أنه كان يغلق بوجهها الخط، اجتاحها الألم من شدة الظلم الذي وقع عليها دون سبب، وسلمت أمرها لله ولم تجتز محنتها لأنها بالرغم من كل ما حدث مازالت تحبه.

انتبهت فجأة أن جلستها أمام المرآة طالت، لملمت شعرها ولفت شيلتها حول رأسها واتجهت إلى غرفة أختها الصغيرة لتستذكر معها دروسها، ضمتها بحنان وبدأت تستمع لحكاياتها اليومية عن المدرسة والمدرسات والبنات وشقاواتهن.

وبعد لحظات دق الباب والدهما ليخبرهما بأن عليهما بالنزول إلى غرفة الطعام، فالعشاء جاهز، هرولت الصغيرة إلى الطابق الأسفل لتأخذ مكانها على المائدة، وجلس الجميع على السفرة وتخلفت هي، فقد فضلت الانزواء والبقاء في غرفتها، فهذا هو حالها منذ أربع سنوات تقريبا بعد طلاقها.

وعلى العشاء طفرت من عين الأم الدموع، فهون الأب عليها قائلا بأنها سوف تتعافى قريبا، شككت الأم في حديثة بأنها لن تشفى فقد طالت المدة، واختلفت الآراء حول ما حدث لها، فالبعض يخبرها بأنه ربما تعرض لسحر أثر على تصرفاته.

وذلك لأنه ليس من المعقول أن تتبدل أحوال شخص إلى النقيض دون سبب معلوم، وآراء أخرى تجزم بأنه مدمن، فكافة تصرفاته تدلل على ذلك، وآخرون قالوا إن ما ظهر منه تجاهها بعد الزواج هو وجهه الحقيقي، فقد استطاع أن يمثل عليها ببراعة أثناء الخطوبة، فظهر لها على هيئة ملاك في جميع تصرفاته نحوها ونحو عائلتها، ثم وبعد أن ضمهما بيت واحد لم يستطع ارتداء القناع طويلا فخلعه وأطاح به أرضا ليكشر لها عن أنيابه.

إيمان قنديل