«أتمنى أعرس وأييب درزن عيال وافتك من هم الشغل وايلس اربي عيالي في البيت»، هكذا دار الحديث بينهن عن مشاعر الأمومة ومتاعب الموظفات، تفاعل الجميع مع حلم إحداهن وساد في القسم الخاص بتخليص معاملات السيدات انفعال غير مألوف.
فالكل لديه رأي يود أن يدلي به، فاختلطت الآراء وسط وجهة نظر أم خميس السيدة الأربعينية وجميلة الموظفة العازبة وسعاد والدة التوأم وغيرهن من الموظفات، إلا أن رأي سعاد أسكت الجميع رغماً عنهم، فقاطعت الجميع بنبرة صوت حادة قائلة: «احمدوا ربكم على النعمة اللي انتوا فيها، غيركم يتمنى يشتغل مكانكم ويحصل نص الراتب اللي تحصلونه، أنا ما صدقت اشتغل عشان اصرف على عيالي».
لم تظهر الأخريات اكتراثاً أمامها وواصلن حديثهن غير آبهات برأيها، فهي كثيرا ما تشتكي وتندب حظها العاثر أمام الجميع، وتشعر أنها مختلفة عنهن باعتبارها المرأة المظلومة التي تستحق كل معاني المواساة والشفقة على حالها، فالمسؤولية الملقاة على عاتقها أكبر من مشاكل الأخريات بنظرها وذلك بعد تخلي زوجها عنها وعن أبنائها.
حيث تركهم في الحياة دون سؤال عن احتياجاتهم، فتتدخل تارة أخرى موجهة الحديث إلى جميلة العازبة التي بادرت بفتح الموضوع: «أنا من رايي انج ما تعرسين، شو لج بهم الريل وتعب اليهال، شوفيني أنا جدامج وتعلمي مني»، فترد جميلة: «لا أنا بتزوج واحد غني وما بحتاج للوظيفة، وبربي عيالي أحسن تربية دام إن عندهم أبو يهتم فيهم».
وتطلق عينا أم خميس نظرة إشفاق نحو سعاد التي كانت تتأمل جميلة ولسان حالها يقول: «ياليتني ما استعيلت ووافقت على أبو عيالي اللي عذبني، وخذت ولد عمي اللي كان شاريني بس فرطت فيه وخسرته هو وهلي»، وتدلي برأيها هي الأخرى في محاولة لتهدئة النفوس قائلة: «الزواج صدق مسؤولية، لكن إذا بتربين البذرة وبترعينها تراها بترد لج الجميل، أنا ريلي ما خلف لي شي من عقب ما توفى غير عيالي اللي قايمين بالواجب وزيادة، لكني أحب اشتغل واخدم بلادي مع أني مب محتاجه للراتب».
تتوجه أنظار الجميع نحو مدخل القسم، فتطل عائشة بابتسامتها المعهودة قائلة: يبتلكم ريوق، جهزوا المكان الدريول والبشكارة بيدخلون، فتعم الفوضى وتحاول الموظفات ترتيب الأوراق وتجميعها في مكان واحد لإفساح المجال أمام أطباق الفول والبلاليط والفاصولياء والفطائر المتنوعة، وبالرغم من تأخر عائشة المستمر وغيابها المتكرر.
إلا أن طيبتها الزائدة وكرمها السخي يشفعان لها، وغالبا ما تتهامس الموظفات فيما بينهن عن عدم حصولها على أية إنذارات بسبب الغياب لصلة القرابة التي تربطها بأحد المدراء، وتخبرها إحدى الموظفات عما فاتها من أخبار وروت لها تفاصيل الموقف كاملا، وباشرت عائشة في فتح الموضوع مرة أخرى بعد أن دعت الجميع لتناول وجبة الفطور.
ووجهت إليهن سؤالا يتعلق بمشاعرهن تجاه عمل المرأة والأسباب التي تدعو له، فجاء رد الغالبية من الموظفات المتزوجات أنهن يفضلن البقاء في بيوتهن والتفرغ لأبنائهن ورعايتهم بعيدا عن متاعب المهنة وعنجهية بعض المدراء وتحمل المراجعين.
فيما أبدت الموظفات اللاتي على موعد لوضع حملهن خلال شهور أو أسابيع معدودة رغبة بالحصول على إجازات كافية قبل وبعد الولادة، أما الأخريات فمنهن من قالت انه لا شيء يضاهي حلاوة الحصول على راتب شهري مهما كانت الظروف باعتباره الدخل الوحيد الذي يعينهن على شراء أمور ثانوية تتمثل في آخر ما توصلت إليه الموضة من حقائب وساعات ومجوهرات وغيرها.
بالإضافة إلى تبديل سياراتهن الفارهة بين الفينة والأخرى لاسيما بوجود التسهيلات البنكية والإغراءات التي تقدم خدمات خاصة للموظفين وتجعلهم يقبلون دون تفكير، والبعض الآخر يتوق للظفر بزوج ثري ينتشلهن من ضرورة العمل ويؤمن لهن الحياة الكريمة ويعوضهن عن كل شي.
وأخريات لم يبدين رغبة في التعبير عن آمالهن وطموحاتهن واكتفين بتناول الطعام بهدوء والاستماع لآراء البقية.ومرت الساعات مسرعة ولم تنتبه لها الموظفات، ففضوا التجمع وعادوا من جديد لوضع الأمور في نصابها واستكمال عملهن اليومي.
نادية إبراهيم
