أن تعيش بينهم.. فتلك فرصة قد لا تحظى بها في عمر آخر.. وأن تشعر بدفء المحيط في ذلك المكان.. فكن على يقين بأنك ستنخرط في دوامة البحث عن ذلك الدفء دوماً.. فالإحساس لا يحتاج منك سوى بضعة أيام.. ليترك فيك انطباعاً بتوحد المكان والإنسان.. والسماء المُظلة.. والبحر الذي يرسم خط التماهي.. فالجميع على اختلافهم يسكنهم الهم ذاته.. والفرح نفسه.. وهم يتوقون إلى مصير مشترك..
العلاقة يتجاوز عمرها ثلاثة عقود من الزمان.. هي شيء من السعادة المرتبطة بالآخر وبتفاصيل حياته.. وشيء آخر من الالتصاق بالأرض بجميع ما تحمل ومن تحمل..
البيوت المتشابهة.. والمتشابكة.. الجامع الكبير الذي يشهد زحف عيال الفريج كباراً وصغاراً عند كل صلاة.. الدكان في أول الحي هو أيضاً من الثوابت التي لا تكاد تتغير.. بينما الزمن يتغير.. وتعصف الحداثة بأركان المكان.. ويبدي الأهالي صموداً أكبر عبر تماسكهم.. فتفاصيل الحب هنا جذورها موغلة.. تأتي على كل ما من شأنه أن يفكك عمراً من الالتحام..
هنا علاقاتهم بين نسب وقرابة وجيرة.. والفروق تكاد لا تُرى بالعين المجردة .. فمنذ أن تزوج علي ابنة عمه عوشه التي تركت أهلها في إحدى المدن البعيدة والتحقت بركب الحياة الزوجية.. - حيث شاءت الأقدار أن ينتقلا للإقامة في الفريج بحكم عمل علي في البحر- وهي لا تعرف أهلاً غير الجيران..
ولا وطناً غير الذي تسكنه هي وعلي.. حتى أصبحا جزءاً من العائلة الكبيرة.. وحلقة في سلسلة البيوت والقلوب المتشابكة.. ووجدت عوشه أسرة جديدة.. وبدأت عمراً آخر من الحياة الاجتماعية السعيدة.. برفقة جارتها أم سلطان..
الأرملة التي نذرت نفسها لتربية أبناء الفريج بعد أن فقدت زوجها وابنها في رحلة الحج.. فوضعت بين أيديهم ما تملك من خبرة الطب الشعبي.. والآن بعد أكثر من 20 عاماً ما زال أثر كيّها محفوراً على جبهة سلوم الابن البكر لعلي وعوشه.. الذي كاد أن يكون ضحية «أبو صفار» لولا رحمة الله.. ومازال سلوم يدين لأم سلطان بأكثر مما يدين لوالديه.. فصل آخر من السعادة تدور أحداثه في الحي نفسه بين عائلتي بوخليفة وبوسعيد.
حيث سيعقد قران خليفة على ميثاء بنت بوسعيد، والأنوار مضاءة في الفريج والحدث يحظى بمباركة الجميع «الولد ولدنا.. وما بنلقى أحسن عنه.. والبنت بنتكم وما بنتخير عنكم» ®. كما أن النسب ليس جديداً على العائلتين.. وكما جرت العادة.. سيسكن العرسان الجدد في الحي نفسه.. حيث تم بناء ملحق في البيت «العود»®.
في الفريج ذاته هناك أيضاً فلك للفراشات.. تدور فيه قصص الحنين الطفولية القديمة.. وتنسج في جنباته حكايات البراءة الأولى..
عصر كل يوم يشهد انطلاق سلمى ومريم ونوره وبقية الآنسات الصغيرات في الفريج نحو الدكان.. ليظفرن بالوجبة اليومية ويقصدن شاطئ البحر للعب.. الشاطئ الذي ابتلع «شبابيصهن» وأساورهن الذهبية.. ولكنه ما زال المكان الأحب إلى قلوبهن الصغيرة..
هناك هن يرسمن بيوتاً من الرمال.. ويحلمن بحياة الفتيات وما يلفها من قصص خفية.. ويتداولن أحاديث بعيداً عن مسامع الأمهات.. والجدات.. اليوم.. وفي هذه اللحظات.. يبدو أن الزمن يتوقف.. سينفض جمع الجارات من حول أم سلطان.. ولن يحظى أحفاد بوخليفة وبوسعيد بحياة آبائهم وأجدادهم.. وستشتاق رمال الشاطئ إلى «دعسات» الصغيرات وأحلامهن الوردية.. لأن مياه الحنين لن تعاود الجريان في ذلك الفريج..
وينابيع الفرح قد بدأت في الجفاف.. فعندما هبت رياح السعادة.. لم يكن يدرك الأهالي أن العاصفة آتية لا محالة.. لتأخذ في طريقها ما تبقى من أحلام البسطاء.. فالسكان نازحون إلى أماكن متفرقة.. لأن موجة الاستثمار قضت على وجه من أوجه ارتباط الإنسان بالمكان .. وطمست فصلاً متأصلاً من السعادة الاجتماعية في الفريج وفي فرجان أخرى عاشت أحداث الفرح ذاتها .. وتفرق جمعها للأسباب نفسها ..