فتحت سلوى النافذة، امتد نظرها عبر أشعة الشمس الدافئة خاطبت نفسها: ما أجمل هذا الصباح حلقت عيونها مع أسراب العصافير وهي تمارس رقصها بين الغيوم معلنة عودتها من رحلة طويلة.
نظرت إلى المنزل المقابل ولفت انتباهها تلك الفتاة المنطوية تراقب ابن الجيران من على شرفتها وتخفي نظراتها التي يملؤها الحزن محدقة في ذلك الفتى كأنه حلم بعيد.
فتح هذا المشهد كتاب الذكريات أمامها وتقلبت أمامها صفحاته بحلوها ومرها.
كم تشبهها هذه الفتاة لطالما كانت فتاة انطوائية تعيش في عالم خاص بوابته نافذتها الصغيرة حيث تجلس لتراقب الفتيات وفي عيونهن تلك النظرة المفعمة بالحياة ولطالما كانت تشعر بأن جمالها عادي حتى أنها كانت تعتقد أحيانا بأنها أقبح فتاة في هذا العالم ولطالما كرهت أن تنظر إلى نفسها في المرأة فكانت ترفض الذهاب مع أسرتها لزيارة الجيران والأقارب أو لمشاركتهم في مناسباتهم.
ولطالما عذبتها همسات الأقارب والجيران وهم يقارنون بين جمالها العادي وجمال شقيقتها الصاخب.. ويوماً بعد يوم زاد انطواؤها حتى شعرت أنها غريبة عن هذا العالم وأغرقت نفسها في الأحزان وأصبحت تقضي الأيام جالسة في غرفتها معتزلة.
دقّ قلبها عندما لمحت عماد ابن الجيران الذي انتقل مع أهله حديثاً إلى الحي كم هو وسيم وكم هو مستحيل... أصبح شغلها الشاغل... ملامحه أصبحت خريطتها وابتسامته كانت فرحها وصوته العذب أعذب موسيقى في الوجود...
كم تتمناه ولكنها تعرف انه مستحيل.
عادت سلوى إلى الحاضر نظرت مرة أخرى إلى الشارع حيث كانت الفتاة لا زالت في مكانها وعيونها تحدق بيأس في ذاك الفتى ابتسمت عندما عادت لها ذكرى ذاك اليوم الذي غير مجرى حياتها.
كانت تجلس في المنزل وحيدة كعادتها تنظر عبر نافذتها تستمع إلى الموسيقى القادمة من منزل عماد وهم يحتفلون بزواج أخته كم هي غبية لقد رفضت الخروج مع أهلها إلى بيت عماد للاحتفال.
لم يوقظ سلوى من أحزانها سوى طرقات قوية على الباب.. أسرعت لفتحه على عجل وهي تقول: هل نسيتِ المفتاح يا أمي..أصابها الذهول وهي تنظر إلى عيون الشخص الواقف أمامها لم تكن أمها بل كان عماد كاد أن يغمى عليها.. نظر إليها بدفء وقال وابتسامته الساحرة لا تفارق شفتيه: أعتذر عن الإزعاج.
قالت بصوت مرتجف: لا بأس اعتقدتك والدتي، فأجابها: والدتك ما زالت في منزلنا.. في الحقيقة إنها موهوبة برسم الحناء لقد تجمع حولها حشد من الفتيات وللأسف نفذت الحناء فأرسلتني لأحضر المزيد.
قالت هدى: حسناً سأحضرها وأسرعت تبحث عن الحناء وعادت بها إلى عماد، مدت يدها المرتجفة دون أن تنظر إليه.. تناول عماد منها الحناء وتلك الابتسامة الساحرة عالقة على شفتيه وقال: حسناً شكراً مع السلامة.. واستدار مبتعداً بينما بقيت هدى متسمرة في مكانها تراقبه وكادت تغلق الباب عندما خيل إليها أنها سمعت صوت ارتطام، ركضت إلى مصدر الصوت فوجدت عماد وقد تعثر وسقط على الأرض ركضت إليه، نظر إليها عماد وقد استسلم للضحك وقال بصوت متقطع وهو يحاول أن يزيل الحناء التي تناثرت على ثيابه: أنا بخير أنا بخير...فنظرت إليه سلوى ودون ان تدري أخذت تشاركه الضحك.
ونظر إليها عماد بتمعن وقال: ما أجمل ابتسامتك
تورد وجهها وشعرت بالفرح وكأنها ملكت الدنيا هل حقا ابتسامتها جميلة؟
قال عماد: أرجوك ابتسمي دائماً
أمسك عماد بيدها المرتجفة وقال: تعالي معي إلى الحفلة وسارت سلوى معه دون تردد وعماد يمسك بيدها وهي تبتسم له لقد ابتسمت لعماد فابتسمت لها الحياة انه هو الحياة لقد أضاء النور في داخلها لقد أعاد لها الحياة كانت ابتسامتها المفتاح إلى قلب عماد، كانت الطريق للوصول إليه ومنذ ذاك الحين لم تفارقها الابتسامة ولم يفارقها عماد.
أيقظها من ذاكرتها ضجيج الشارع فعادت بنظرها تبحث عن هذه الفتاة فلمحتها وهي متوجهة إلى منزلها..وأسرعت إلى الفتاة واقتربت منها وهمست في أذنها: ابتسمي يا عزيزتي فالحياة ابتسامة.
نظرت إليها الفتاة باستغراب بينما همت سلوى بالرحيل وحيّتها من بعيد فعاودت الفتاة النظر إليها تارة والى ذاك الفتى تارة وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة.
