«لو كان جهاز التلفزيون لي لكسرته»! صرخت سلمى أمام صديقتها وقد أثار استياءها مشهد تلفزيوني كان يعرض على شاشة التلفزيون، وهي لم تكن يوماً من متابعي القنوات الفضائية فكثيرا ما كان إخوتها يتندرون على جهلها بأسماء الممثلين والمطربين الجدد.

فيقولون يجب نفض الغبار عن معلومات سلمى بالفنانين فهي قديمة جداً بل يمكن أن نجدها في كتب التاريخ القديمة، وتحتج سلمى بانشغالاتها الكثيرة وباهتمامها بالقراءة، وبأنها تفضل أن تقرأ نص الرواية الأصلي بدلاً من مشاهدتها على الشاشة.

كان الغضب الذي اجتاحها نتيجة مشاهدة عابرة حين جلست مع صديقتها في بيتها لتناول فنجان قهوة لبرنامج على قناة محلية يقدم حوارات مع تلاميذ المدارس، وهي التي لم يرزقها الله بأطفال يملأون حياتها وبيتها تؤمن بمقولة أن الأطفال أحباب الله. بل أصبح الأطفال أحبابها قربها حرمانها منهم فتطوعت في مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة وصارت تقرأ عن زهور الحياة أكثر مما تقرأ عن الأدب والشعر.

كان مقدم البرنامج شابا يسأل الأطفال أسئلة عابرة عن المدرسة والهوايات، وكانت طفلة لم تتجاوز السابعة من عمرها تقف مبتسمة بانتظار دورها في الحديث وما أن أقبل عليها المذيع حتى بادرها بطريقة فجة ( ليش أسنانك جي خربانين؟ علشان تاكلين حلويات صح؟) ...

ارتبكت الصغيرة وماتت الابتسامة على شفتيها وصارت تحاول إخفاء أسنانها وهي تهز رأسها موافقة قوله وتخفي في عيونها ألماً أودعته هذه الكلمة الجارحة من مقدم البرامج.. ولم يدرك هذا الرجل الفظ أي ألم زرعه في روح الطفلة، وكيف جعل من حلم الظهور على الشاشة تجربة سيئة ستكبر معها بينما لم يفكر للحظة أن الخراب الحقيقي في عقله وليس في أسنان تلك الطفلة.

حاولت سلمى أن تسيطر على غضبها لكنها لم تتجاوز الحادثة وبقيت صورة الطفلة المرتبكة ترافقها طول اليوم، عادت إلى البيت لتبكي متخيلة تلك الطفلة التي قادها سوء الحظ إلى مقابلة إنسان لا يفقه شيئاً من مراعاة المشاعر وربما لم يقرأ شيئا عن علم نفس الطفولة ولا يدري كيف يجب أن يعامل أحباب الله.

في الصباح كانت تفكر كم من الأطفال يواجهون مثل تلك المواقف في محيطهم، وكم من الزمن نحتاج كي ندرك أن أسوأ ما يمكن أن نفعله لأطفالنا أن نحط من شأنهم فنجعلهم يفقدون الثقة بالنفس والإقبال على الحياة بسرور. وحدثت نفسها كثيراً في السبب الذي يجعل مثل هؤلاء يتصدرون شاشات التلفاز أو يبادرون إلى مثل هذه البرامج التي تتعامل مع أرق نسمات الحياة وأرهف أحاسيس في هذا الوجود.

وتعجبت من هول الألم الذي تحدثه كلمة ربما لا نلقي لها بالاً فتسري في النفوس محطمة أسوار الخصوصيات لتقبع حزناً دفيناً في قاع الروح لا تزول آثاره مدى الحياة، وربما لو سألت من تكلم لما علم بحجم الألم الذي تسبب فيه أو ما نجم عن تلاعبه بالألفاظ واستهزائه ممن يجلس أمامه لا سيما إذا كان طفلاً لا يحسن الدفاع عن مشاعره المحطمة.

كانت سلمى قد اتصلت بالبرنامج لكنها لم تستطع الحصول على عنوان الطفلة فقد كانت تتمنى تخفيف الخراب الذي زرعه المذيع المغرور الذي لم يحاول سماع ملاحظاتها ولم يرد على مكالمتها. عادت إلى عملها التطوعي في مركز رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة فكانت ابتسامات الصغار سببا لبهجتها وتفاؤلها بالأيام المقبلة.

دلال جويد