قدم الحلاق «ابو وائل» لي في ذلك اليوم مشهدا وفكرة مغايرة عن تلك التي يحملها الكثيرون عن الحلاقين عموما بأنهم كثيرو الكلام إلى درجة إزعاج الزبائن، فهو وعلى الرغم من استقباله الحافل لي لحظة عبوري بوابة المحل لم ينبس ببنت شفة وهو يواصل قص شعري ملتفتا بين الفينة والأخرى إلى جهاز التلفزيون الذي كان ينقل مشاهد لجموع جائعة تقتحم احد الحدود الدولية لتصل الى الطعام.. فاجأته بسؤالي:
هل أنت دائم الصمت هكذا؟
بالتأكيد لا، فأنا متحدث جيد ولكني لست ثرثارا.
فما بالك صامت إذا؟
المسألة مرتبطة بهذا اليوم فقط، وغدا ستعود الأمور إلى وضعها الطبيعي
ولماذا اليوم بالتحديد؟
أحاول منح الذاكرة الفرصة لاستحضار أرواح الأحبة الذين رحلوا ذات مجزرة وذات حرب في مثل هذا اليوم قبل 32 عاماً.
أنا أسف.
لا عليك، ولكن ما هي طبيعة مهنتك؟
أعمل في الصحافة
هل تعتقد بأنكم تمثلون وجهة نظر الناس بشكل حقيقي؟
بالتأكيد نحن نحاول أن نكون في صفهم دائماً، وكيف ترى أنت هذا الأمر؟
في الواقع هناك الكثير من القضايا العالمية التي يتم التعاطي معها من قبل الإعلاميين من وجهة نظر رسمية بحتة
وبالمقابل هناك آخرون يدفعون أرواحهم ثمناً للحقيقة
لا أختلف معك في ذلك.
كأب، كيف تنظر للجيل الحالي من الشباب؟
بغض النظر عن التعقيدات إلا أنهم يمتلكون حظاً أفضل من جيلنا بفضل التكنولوجيا المتاحة لهم.
اقصد النظرة إلى سلوكهم ومفاهيمهم قي الحياة
ليست سيئة
ما الذي يزعجك في سلوك الآخرين؟
الكذب والنفاق والنسيان
ماذا تقصد بالنسيان؟
نسيان فضل الآخرين والإساءة التي قد يرتكبها البعض، لأن من يقدر على نسيان السلبيات سيكون قادراً بالتأكيد على نسيان الإيجابيات، ويزعجني أيضاً نسيان الأحبة الراحلين.
وكيف تستطيع ترتيب أمورك في ظل هذا الارتفاع المتواصل للأسعار؟
بصعوبة شديدة، فما أن افرغ من ترتيب مسألة الأقساط المدرسية والجامعية حتى ادخل في معمعة قسط السيارة، ثم الاستحقاق الكبير المتمثل بإيجار المنزل الذي يكسر الظهر ويستنزف معظم الدخل.
ما هو الموقف الأكثر إحراجاً الذي تتعرض له في عملك بسبب غلاء الأسعار؟
عندما سأبلغك بسعر الحلاقة في صالوني بعد أن افرغ من مهمتي .. وعاد للالتفات مرة أخرى إلى التلفزيون الذي كان ما يزال يبث صور الجموع الجائعة التي نجحت في فتح ثغرة في الجدار ووصلت أخيراً إلى المواد الغذائية التي حرمت منها.
خالد اللوباني
