أكد الدكتور جعفر عبد السلام أمين عام رابطة الجامعات الإسلامية أنه لا سبيل لمواجهة الهجمة الإعلامية الغربية إلا بتبني استراتيجية تضع أسس الرسالة الإعلامية الإسلامية، وقال جعفر في حواره مع «البيان» إن الشريعة الإسلامية لا تضيّق على الإنسان وتركت دور العقل في الاستنباط ووضع التفاصيل، مع التزام بالثوابت.

وأشار إلى أن الشريعة الإسلامية وضعت نظرية لحقوق الإنسان أقرها القرآن والسنة وهى تعطي حقوق الإنسان المدنية والسياسية وفقا للنظريات الحديثة.. ونادى بضرورة وجود دعاة لديهم القدرة على إقناع الناس بوجهة نظرهم، وأن يستندوا في ذلك إلى أساس علمي قوي، مشيرا إلى أن معرفة الدعاة باللغات الأخرى أمر مهم حتى نصل للآخرين ونتعايش معهم.. فإلى تفاصيل الحوار.

ماذا تقول للذين يتهمون الإسلام والمسلمين ظلما وعدوانا بإهدار حقوق الإنسان، خاصة أن هذه النغمة النشاز أخذت تتردد الآن بقوة في كثير من المنابر الإعلامية في الغرب؟

الشريعة الإسلامية وضعت نظرية لحقوق الإنسان أقرها القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث مورست هذه الحقوق عملا على مدى التاريخ الطويل للدولة الإسلامية، ويوجد ما يسمى بالكليات الخمس التي جمعت هذه الحقوق كلها وهى «حفظ الدين، العقل، النفس، المال، العرض».

وتناولها الفقهاء في تفصيلات واضحة وهى تغطي حقوق الإنسان المدنية والسياسية وفقا للنظريات الحديثة، ويشير المنتقدون لهذه الحقوق إلى نقص في الممارسة بالنسبة للحقوق السياسية على وجه الخصوص، كما يشيرون إلى الفجوة الواسعة بين الطبقات في مجتمعات الدول الإسلامية، وبعض هذه الانتقادات صحيحة عندنا وعندهم أيضا.

فهناك من ينتقد الممارسات الموجودة في الغرب على أساس أن الجماهير لا تشارك في تسيير مجتمعاتها، ولا يصل صوتها إلى من يقودها مما اصطلح عليه بمحنة الديمقراطية، لذا فالإصلاح عندنا وعندهم واجب وإن كان الإصلاح عندنا يجب أن يقوم على تنفيذ تعاليم الخالق سبحانه وتعالى، والذي أمر الحاكم بمشاورة المحكوم في الأمور الأساسية للحياة، وأمر باحترام إرادة الإنسان.

هناك أسس ومبادئ جاء بها الإسلام الحنيف في شأن ما ينبغي أن يهتدي به المسلم في التعامل مع غيره، فنجد القرآن الكريم يضع قيم العدالة والمساواة؛ حيث تتفرع منها معظم الأفكار والمبادئ التي تتصل بحقوق الإنسان وحرياته من المنظور الإسلامي كيف يمكن أن نثبت هذا المعنى واقعيا؟

أولا: إن الشريعة الإسلامية تضع قواعد كلية وتترك للعقل البشري أن يستوعبها جيدا ثم يقرر التفاصيل التي يجب أن تحاط بها، وهذه مسألة مهمة تحسب للشريعة الإسلامية لأنها لم تضيق على الإنسان، وتركت دور العقل في الاستنباط ووضع التفاصيل، كما تركت لعوامل المكان والزمان دورهما إذ لا يعقل أن نجمد قاعدة كلية في تطبيق واحد يبقى مع اختلاف ظروف الزمان والمكان.

ثانيا: إنه في فترات تاريخية كثيرة تم الخروج على كثير من هذه المبادئ والقيم والبعض يتخذ هذا حجة ضد الإسلام، ويجب أن ننبه هنا إلى خطأ ذلك، فنحن نحاكم الأحداث والوقائع وعمل الأشخاص بالنصوص وليس بالعكس، وعلى سبيل المثال فقد حدثت انتكاسات في معاملة غير المسلمين في بعض الفترات التاريخية، وهذا الأمر لا يسانده نص ولا عمل من رسول الإسلام، لذا يجب أن نطرح مثل هذه السوابق ولا يحكم بها على الإسلام.

ثالثا: إنه من الخطأ البين القول بإغلاق باب الاجتهاد، بل يحبب أن يجتهد دائما لوضع أحكام للأحداث التي تستجد في حياة المسلمين كما كان يفعل سلفنا الصالح وأهل الاجتهاد في مختلف مراحل تاريخ دولة الإسلام.

الإعلام الغربي وما يحمله من أكاذيب وافتراءات ضد الإسلام والمسلمين، ما الدور الذي تقوم به رابطة الجامعات الإسلامية في هذا الصدد؟

لا سبيل للمواجهة إلا بوضع استراتيجية تضع أسس الرسالة الإعلامية الإسلامية، وما تقوم عليه من ثوابت الإسلام التي لا يجوز الخروج عليها، مع تشجيع كبار المفكرين المسلمين على الكتابة لهذه القنوات والمحطات هذا من ناحية، من ناحية أخرى لابد من عمل جماعي إسلامي ينشئ شركة أو شركات تتخصص في الإنتاج الإعلامي المتميز.

ويدعى كل أصحاب المحطات الخاصة والعامة للإسهام في وضع الاستراتيجية وتنفيذها عن طريق هذه الشركات التي تسهم في الارتقاء بالمستوى الفكري والقيمي للمنتجات التي تبث على هذه القنوات، ودور رابطة الجامعات الإسلامية هنا يقتصر على وضع المناهج الدراسية التي يمكن العقل المسلم من تمييز الصالح من الطالح والضار والنافع.

هذا يقودنا للسؤال هل نحن بحاجة لتحديث فكرنا الديني لمواجهة ظاهرة الحداثة والتجديد؟

بالتأكيد هناك مجال واسع للاجتهاد بما يلائم حياة الناس في العصر الحالي مع التزامنا بالثوابت، فهناك قواعد ثابتة وآيات محكمة لا يمكن التفريط فيها، وكذلك هناك إطار آخر متغير، فالإسلام لا يجمد الناس في أطر محددة، لكن للعقل البشري مجالا كبيرا للحركة والتجديد فهناك تفسيرات متعددة تتلاءم مع حياة الإنسان، وتستمر الاجتهادات وأيضا تفاسير القرآن الكريم والسنة.

ولا أنكر أن الاجتهاد توقف الآن في العديد من الدول الإسلامية، وكان وراء ذلك الاستعمار، وكذلك دعاة التحديث، ونحن بعد الصحوة الإسلامية المشهودة بدأنا ننادي بالاجتهاد والتصدي لكل المشكلات الحديثة، وإيجاد الحكم الشرعي له.

هل ترى في كل ما قلته اننا نريد شكلا آخر للدعوة في هذا العصر؟

حقيقة الداعية الذي يتحدث كلاما عاما ووعظا محررا لم يعد ينفع الناس، ولكن أن يقنع الناس بوجهة نظره فإذا لم يكن يستند إلى أساس علمي قوي لا يستطيع أن ينفذ إلى قلوب الناس وعقولهم، كما أن معرفة اللغات الأخرى أمر مهم في التبليغ حتى نستطيع أن ننقل صوتنا إلى الآخرين؛ لأن التعامل مع الآخر ضروري حتى نتعايش معهم، ولابد أن نسمح بمساحة من الاختلاف حتى نخلق حياة مشتركة من خلال احترام الرأي الآخر.

لا شك أنك تتابع ما تروجه ثقافة العولمة من أفكار هدامة لها أثرها على العلاقات الاجتماعية خاصة على مستوى الأسرة تحت ستار «العصرنة والتحضر»، وأن من هذه الأمور تعد حقا من حقوق الإنسان.. كيف يمكن التصدي لانتشار هذه العادات في مجتمعاتنا؟

اهتم الإسلام بمؤسسة الأسرة ووضع لها نظاما واضحا فقد جعلها الخلية الأساسية للمجتمع وحرص على التكوين السليم لها من رجل وامرأة وأولاد وبيّن الحقوق والواجبات المتبادلة بين الجميع بما يكفل للأسرة أن تستمر، وأن تشارك في بناء المجتمع وتعميره.