إن الذي يجب علينا نحن معاشر المسلمين أن نسلك طريقا آخر نتعامل به مع بعضنا البعض والآخرين وأن ننهج طريقاً مستقيما سويا نحاول من خلاله تصحح ما كانت عليه أحوال إخوانا الماضية ونبني جسرا متينا يعين الناس على تحقيق التعايش السلمي بين البشرية عامة والمسلمين على وجه الخصوص فالحاجة ملحة وضرورية.

ونعود الآن إلى صلب الحديث عن موضوع العدل فنقول إن في تحقيق العدل صيانة للحياة البشرية من كل الارتدادات العكسية كالانحراف أو الانزلاق في متاهات قد لا يحمد على عقباها ولا يعرف منتهاها ومن المعلوم يقينا عند العقلاء أن في عدم الانصياع والالتزام لمبدأ القانون العدلي كليهما يؤدي إلى هلاك الفرد أو المجتمع والبيئة المحيطة به، وكذلك المنجزات التي شيدها البشر.

فمن أجل تحقيق التعايش السلمي بين البشرية قاطبة علينا أن نترجم ذلك القانون وذلك من خلال الانصياع والانقياد التام للمبادئ التي من شأنها أن ترشد العقول السليمة التي تنشد الحقيقة إلى ما هو أسلم لها وأقوم إلى اتباع الحق وطريق العدل (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) {النحل/90 هذا القانون للعدالة عام يتمثل في كل مناحي الحياة سواء أكانت عامة أو خاصة؛

ففي ضل تطبيقها والعمل بها في كافة أطر الحياة يتم حل النزاعات والخصومات بين الذات والآخر، كذلك يشمل هذا العدل عملية التلقي في الثقافة العلمية ما يخص الذات أو التلقي العام ومن حيث عملية الإخراج أيضا لبقية شعوب العالم عدل يتمثل في أظهار الحقائق والبراهين الساطعة التي تدل على حقيقة الحياة الإسلامية العام منها والخاص تجاه معتنقي ديانتها أو الآخرين من أصحاب الديانات السماوية والأرضية.

ففي الأثر عن نبي البشر عليه الصلاة والسلام وصف دقيق لحملة العلم الشريف الذين يتصفون بالصفات الحميدة الراشدة التي تبني ولا تهدم تعمر ولا تدمر ومنها أن يكونوا ملتزمين بالأمانة الصادقة والورع التام في عملية النقل دون إحداث أي تحريف أو تغير (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين).

وكذلك فيما تميل إليه الفطرة الإنسانية أيضا، عدل في طرق المناهج وعرضها من غير إخفاء للحقائق والتعمد بعدم إظهار البراهين التي تقنع الخصوم لاسيما الفكرية والموضوعية فلا يسعى القائم على العدالة في طريقة النقل أن يغلب جانب على أخر بقصد الانتصار الفردي لأنه في النهاية سيكون من أصحاب الاتجاه الواحد الذي يولد التخلف والخلل الفكري في بعض موازين الحياة.

بل عليه أن ينهم طريق الموضوعية والشفافية يشمل الكل في ذلك لأن ميزان العدل في الأرض واحد يخص كل موجود عليها (وضعه الله تعالى للخلق أجمعين، ونصبه للحق فلا تخالفه في ميزانه، ولا تعارضه في سلطانه، واستعن على العدل بخلتين: قلة الطمع، وكثرة الورع.

فإذا كان العدل إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به، ولا صلاح فيها إلا معه، وجب أن يبدأ بعدل الإنسان في نفسه، ثم بعدله في غيره. فأما عدله في نفسه، فيكون بحملها على المصالح وكفها عن القبائح، ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين: من تجاوز أو تقصير، فإن التجاوز فيها جور، والتقصير فيها ظلم، ومن ظلم نفسه فهو لغيره اظلم، ومن جار عليها فهو على غيره أجور).

هذه التعليمات المهمة لذات الفرد من باب أولى أن يطبقها على ذاته أولا وذلك بالاقتداء بها ومن ثم يسعى إلى الآخرين ويتجه إليهم بحكمة وبصيرة ثاقبة بفصل وحسم المنازعات والخصومات التي تحدث بين الناس إذا كلف هو بمسؤولية العدل والتسوية بينهم فيكون منهجه القويم الذي تستقيم بها الحياة البشرية أشاعت الحق وتطبيقه في كل مكان واتجاه ومبتعدا في ذلك سبيل الباطل والظلم، ومنتهج طريقة التسوية بين الناس، الصغير، والكبير، الغني والفقير المسلم وغير المسلم القريب والبعيد وهكذا الكل سواسية أمام نهر العدالة.

إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي