استطاع القرع العنيف على باب غرفته الصغيرة التي تحولت مع طول الوقت إلى مرسم بسرير نوم وخزانة ثياب أن يخرجه من تأملاته في اللوحة، فاتجه نحو الباب متذمراً ليجد صديقه عادل مبتسما قائلا: هيا أيها الفنان وجدت لك ما ترسمه، ارتدِ ثيابك بسرعة فقد حصلت على تذاكر لعرض الدلافين.
ـ ماذا؟ عرض الدلافين هل أنت جاد؟ منذ أيام وأنا أحاول إكمال تلك اللوحة ولم أستطع، أرهقني السهر وتريدني أن أترك كل شيء لأذهب إلى عرض الدلافين؟بقيت ابتسامة عادل صامدة أمام ثورته، لأنه مؤمن أن صديقه سينصاع له في نهاية الأمر، لذا رد بهدوء قائلا: هل تعرف أن في الدلافين صفات بشرية فهي تعرف بعضها بأسماء خاصة، لذا لا تستهن بها فهي ذكية بما فيه الكفاية لتستحق المشاهدة، كما أنها فرصة لمشاهدة الناس، ألم يكن غسان كنفاني يقول نصف حياتك فرجة على الناس والنصف الآخر فرجة الناس عليك؟
ـ لست متأكدا أن كنفاني قد قال هذه العبارة ولكن أعذرني لدي عمل ولا وقت عندي للترفيه؟
بدت علامات الضيق على عادل وهو الذي ناضل طول اليوم من أجل الحصول على التذاكر، وقال: يا أخي الترفيه لا يتعارض مع العمل بل يجعلك تعود إلى عملك بحماس أكبر، وإهمالنا للترفيه هو الذي يجعلنا نشعر بالضغط النفسي والأذى، لذا اترك كل شيء وتعالَ معي لأني لن أقبل الرفض، فأنت لن ترى عرضاً للدلافين كل يوم.
ارتدى ثيابه على مضض وغادر مع صديقه الذي صار يبتسم ابتسامة الفوز ويحدثه طوال الطريق عن عالم الدلافين وحركاتها الذكية، وحين وصلا إلى قاعة العرض سارع عادل إلى اختيار مقاعد مرتفعة بعض الشيء لأنه يعرف أن الجالسين في الأماكن القريبة سيتعرضون للبلل.
كان عادل يشير إلى صفوف من المقاعد في وسط القاعة أقيمت حولها حواجز لتبين أنها مقاعد الدرجة الأولى، قائلا: هل تعرف هذه المقاعد لا توفر رؤية أفضل للجالسين لكنها تميزهم عن الآخرين بأنهم من النخبة فهي ترضي غرورهم أكثر مما ترضي أبصارهم.
كان الفنان ساهماً يفكر في المصطلحات التي درسها في أكاديمية الفنون التشكيلية عن اللوحة والخطوط والقيم اللونية والتوازن والانسجام والتوافق الشكلي مع المحتوى الموضوعي ومراعاة النسب والكتلة والفراغ والإيقاع والمنظور وغيرها من الأمور التي يحاول أن يقيم بها لوحاته التي لم يستطع أن يبيع واحدة منها.
بدأ العرض الصاخب بقفزات مذهلة لثلاثة دلافين كانت الموسيقى ترافق حركاتها وقد رقصت ولعبت بالكرات بينما كانت تنتظر مكافآت مدربها الذي يلقي لها بالطعام، وكان من أطرف العروض أن غنت الدلافين بأصوات صارخة مع سوئها كانت أفضل من أداء كثير من مغنيات اليوم، لكن مقدم العرض لم يمهل الجمهور كثيرا إذ أعلن عن مفاجأة فنية كبيرة يرسم فيها أحد الدلافين لوحة.
وبالفعل كان المدرب يمسك لوحة بيضاء ويضع أقلاماً ملونة في فم الدولفين الذي بدأ يحرك الألوان على سطح البياض معلنا عن أنه من أنصار بيكاسو الذي قدم لوحة لجمهوره رسمها حمار بذيله وأسماها لوحة ذيل الحمار، ضحك عادل من كل قلبه وقال لصاحبه ها هي الدلافين تتحداك فقد رسم الدولفين لوحته بدقائق بينما لم تكف ليال طويلة لإنجاز لوحتك؟.
ابتسم الفنان ابتسامة مرة، وهو يجامل صديقه، فقد رأى في العرض اعتداء على فنه، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد تقدم مقدم العرض إلى جمهور الدرجة الأولى ليعلن مزادا على اللوحة بدأ بخمسين درهما وصار حماسيا بين السيدات الأنيقات الجالسات في تلك المقاعد ليرتفع الثمن حتى توقف عند ألف وخمسين درهم، ووسط تصفيق الجمهور المتحمس وجد عادل نفسه راكضا خلف صديقه يحاول تهدئته، فقد خرج مندفعا نحو الباب، لكن قفزة دولفين عالية استطاعت أن تبلل الاثنين من رأسيهما حتى أقدامهما وكأن الدولفين يمعن بالسخرية من الفنان وأحلامه.
دلال جويد
