من الوهلة الأولى خطفت أنظاره، وتملكه حبها وزميله راشد يقودها بابتسامة وهو قادم نحوه لكي يريه إياها. أخذ راشد يشرح مواصفات السيارة الجديدة، ومميزاتها بسعادة تفوق مظاهر فخامتها الواضحة. أبو فهد تمنى في قرارة نفسه أن يحظى بواحدة مثلها، رغم امتلاكه لثلاث سيارات من أنواع مختلفة، تصطف متجاورة تحت كراج مظلل بالاسبستوس في حوش المنزل الفسيح، في أحد أرقى الأحياء في الإمارة.
أبو فهد وعد نفسه أن يؤمن مبلغاً ليتمكن من شرائها أو واحدة مثلها، حتى لو اضطر إلى التضييق على نفسه وقمع رغباته. عاهد نفسه ألا يضعف أمام طلبات الزوجة أو الأولاد، وبدأ بقرار الاستغناء عن رحلة الصيف السنوية. وأخذ الشغف يضبط نفقاته ويملي مشترياته. وتزايد عدد الشيكات المرتجعة والمؤجلة من دفعات أقساط البيت وسيارة العائلة وسيارة المدام والسيارة المخصصة لطلعات البر وأحيانا للسوق.
نجح في ادخار جزء من ثمن السيارة؛ لكنه فشل في إخماد أوار الحروب الكلامية المشتعلة في البيت، التي كلما أطفئ جانب منها تأجج آخر. وتزايدت الأسئلة التي ترشقه بها أم فهد، كلما رفض لها طلبا.. هل تحتاج لسيارة أخرى ولديك ثلاث؟ ألا ترى أنه الإسراف الذي تنهانا عنه وتأتي به؟! لمَ تصر على هذه السيارة بالذات؟
مجموعة من الأسئلة كانت تتوقد كلما ألهبها الرفض لطلبات أم فهد والأولاد ما لم تكن حاجات الضرورة القصوى. تحوقل أم فهد من أمر زوجها والمبالغة في الرغبة التي لا ترى لها مبررا البتة.
وينتهي الجدال بمغادرة أبو فهد البيت غاضباً، بعد أن يصفق باب الدار في وجوه الجميع، ثم يغيب لساعات وهو حائر بين الذهاب إلى المكتب أو البقاء مع الانترنت حتى صباح اليوم التالي ليستأنف عمله، وإذا سمح المزاج قليلاً ببعض الهدوء فسوف يتابع أمور البيت ويديره عبر الهاتف، ثم يركن إلى نفسه متحاملاً على الزوجة المسرفة التي لا تقدر قيمة الأشياء، ونظرتها السطحية لها.
وما كاد ينقضي عام حتى أعلن راشد عن نيته بيع السيارة، تلقف أبوفهد القرار بغبطة وصفتها أم فهد أنها فاقت غبطته بولادة ابنه فهد. وبدأ السباق والعمل على قدم وساق لإضافة مظلة رابعة تجاور المظلات الثلاث، وأفسح المكان للوافدة الجديدة، وقد ابتسم له الحظ كما قال.
فهذه السيارة خاصة، ليست متوفرة في السوق ولا تصنع إلا بالطلب و.. و.. العديد من الامتيازات والمواصفات التي لم تر فيها أم فهد إلا دليلا على اهتمام الرجل بالشكليات، ودليلا على الإسراف الذي طالما كان يعتبره جريمة المرأة، وطالما كان عاملا في تخريب البيوت العامرة كما يقال.
وتستغرب أم فهد وكثيرات معها حرص الرجال على اقتناء كل ما هو غالي الثمن، بدءاً من «الحذاء» أعزكم الله وصولاً إلى السيارة، وذلك لشراء الوجاهة كما يقال، ولا يتردد أحدهم في دفع مبلغ يفوق قدراته المالية، ولو كبّده فوائد بنكية تتجاوز مبلغ القرض نفسه.. ولو اضطر إلى (تدبيل) السلفة، وهي فرصة البنوك لإغراء المتعاملين والمقترضين بالتسهيلات المفخخة.
ذلك الحديث جاء على لسان الأرملة المنتحبة أم فهد، في جلسة العزاء بعد أسبوع واحد فقط من شراء السيارة التي ما أمهلت أبا فهد، وهو يدير مفتاح التشغيل حتى اشتعلت النيران من شاحن «الموبايل» وأحاطت به، حاول الخروج من الجحيم، لكن التقنية المطورة في السيارات الحديثة أبت إلا أن تحكم إغلاق الأبواب وزجاج النوافذ، وتعطل عمل كل الأجهزة حتى البوق أو (الهرن).
كان ذلك الصباح الباكر وأبوفهد يتأهب ليذهب إلى عمله، نهضت أم فهد، تلكأت قليلاً مستغربة من الصراخ، والإلحاح في قرع جرس الباب، وبهدوء أمسكت بالمقبض وهي تلقي نظرة على السيارات المتوقفة تحصيها، اتسعت حدقتاها على وسعهما حتى خرجت عيونها من محجريها وهي ترى النيران مشتعلة في السيارات الأربع لتدرك حجم الكارثة. المشهد حقاً.. كان جزءاً من الجحيم.
فاطمة الهديدي
