«فاصل ونعود». استرخى قليلاً على كرسيه بعد أن قال هاتين الكلمتين، سابحاً في بحر أفكاره اليومية التي ينتهز فرصة الخمس دقائق مدة الفاصل الإذاعي، قبل أن يعود متواصلاً مع مختلف مشاعر وأفكار الجماهير التي تسمعه عبر الأثير الإذاعي، فأصوات الناس كل صباح تبعث رسائل مستترة عن أحوالهم ومشاكلهم ومشاعرهم قبل كل شيء، تتشكل منها مواضيع شيقة ومفيدة يترجمها كل شخص وفق خارطته المعرفية التي رسمت من تربيته وبيئته وتجاربه الشخصية.
فيتواصل بها عبر الإذاعة مع باقي المستمعين، وما بين مؤيد ومعارض تتشكل الذروة التي تضيء الحقائق في نهاياتها، وحتى هذه الحقائق لا تكون خلاصة بالأبيض أو الأسود دائما فغالبا ما تحمل اللون الرمادي بكل معانيه الضبابية.
هذا الصباح استقبل مكالمة سيدة عبرت عن رغبتها الكبيرة في الخروج من منزل زوجها والعمل لاكتساب ثقة وقدرة على مواجهته قبل مواجهة الحياة، وقبل أن تنهي المشتكية حديثها، توالت المكالمات التي تتفق وتعترض في الآن نفسه مع مبدأ عمل المرأة وفكرة تسلط الزوج أو حتى فكرة الحرية.
فكانت المكالمة الثانية من سيدة أربعينية تؤكد أنها تعمل منذ عشرين عاما إلا أنها لم تشعر يوما بالحرية، فالحرية إحساس ضمني كما تراه يتحقق بتوافر الرضا والقبول الاجتماعي تقول «هذا ما أفتقده دائما، فمازلت رغم هذا العمر وكل مساعداتي لزوجي ولعائلتي، امرأة لابد من مراقبة تصرفاتها و خروجها والحد من تمردها واعتراضاتها في حالة لم يتوافق رأيها مع رأي صاحب الجلالة الزوج».
وفي سياق النقاش النسائي يأتي صوت رجولي مزمجر «هذا نقاش لا طائل منه» مؤكًدا أن تحويل القضية إلى قضية المرأة هو تعصب نسائي لابد من وقفه، فليس كل الرجال العاملين حاصلين على حرياتهم في اتخاذ القرار، لأن القرار هو نتاج الشخصية القوية، وهو أمر يحصل عليه من يستحقه ويعمل عليه سواء كان رجلا أم امرأة.
وعلى أنغام الفاصل الثاني جال المذيع بنظره إلى أرجاء مبنى الإذاعة الظاهر عبر النافذة الزجاجية، ليلمح زميلته التي أتت كالعادة متأخرةً عن دوامها بعد أن وضعت طفلتها ذات الأربعة أشهر في الحضانة، تساءل عن مدى أهمية العمل الذي يدفع أمًا لترك صغيرتها بين أيدي أناس لا تعرفهم؟
وأي عمل للمرأة يعطيها قيمة أكبر من قيمة تربيتها لأبنائها! لكنه سرعان ما أجاب على نفسه بمطالعته لصفحة الجريدة الملقاة على الطاولة والتي تبين غلاء الأسعار والإيجارات وارتفاع رسوم الدراسة.... إلخ. وفي خضم أفكاره لم ينتبه لانضمام زميلته إليه في الأستوديو ومتابعتها لفقرات البرنامج الإذاعي الذي تحول لمنبر نقاش حول حرية المرأة وعملها، ورأى ابتسامتها الساخرة أو حتى المتحسرة ترتسم على وجهها عقب كل تعليق ومشاركة نسائية كانت أو رجالية، استمر في مراقبتها لحين انتهاء البرنامج .
وقبل أن تبدأ الفقرة الجديدة سألها عن سبب ضحكها؟ قالت «لأن تعقيد الحياة لم يترك مجالا للتمييز ما بين المرأة والرجل، بل أن الرجال الآن هم الأحوج لأن تأخذ المرأة حريتها وأن تشارك بل وإن شئت تستفرد بالعمل وإعالة الأسرة، والمضحك أن المرأة حتى وإن عملت وأصبحت سيدة نفسها، ساقتها عواطفها إلى الحنين لوضعها السابق وأن تكون امرأة وحتى تابعة.. نظر مطولا ولسان حاله تقول... عين آدم لا تمليها إلا التراب!
رباب جبارة
