جاءت الفرصة لتستعيد زوجها من جديد فقد تسلل الملل إلى حياتهما، أسرعت عائشة إلى بيت أسرتها حاملة طفلتها ووضعتها لدى والدتها وذهبت لتختار هدية عيد الزواج. استفاقت عائشة على بكاء طفلتها في الغرفة المجاورة فهرولت مسرعة لتوقظ الخادمة.. فتحت الخادمة عينيها متثاقلة وتمتمت ببضع كلمات غير مفهومة وأسرعت لإعداد الحليب للطفلة وفي مشيتها امتعاض واضح.
عادت عائشة إلى الغرفة وأخذت تتفحص ملامح زوجها النائم والبراءة في وجهه وعلت وجهها ابتسامة وهي تقول لنفسها إن اليوم مميز، إنه ذكرى زواجنا الذي مضى عليه خمس سنوات.. إذاً لا بد أن أستعد وأجهز كل شيء.. يجب ألا يعكر صفو هذا اليوم أي شيء.. يجب أن اذهب إلى السوق في عودتي من العمل وأشتري الهدية التي اخترتها له ويجب أن أرسل الطفلة لبيت أهلي وأذهب إلى صالون التجميل و... و.
انتظرت عائشة هذا اليوم بفارغ الصبر لتفاجئ زوجها.. جاءت الفرصة لتتمكن من استعادته من جديد.. بعد أن تسلل الملل إلى حياتهما وغطى الصقيع أرجاء المنزل.. أصبح زوجها قليل الاهتمام.. منصباً على عمله أو مستغرقا في التفكير أمام التلفاز.. وأصبح الحديث متكلفاً ولم يعد لضحكاته المجلجلة ـ التي اعتادت عليها ـ أي وجود في المنزل.
لقد تحدت عائشة العالم أجمع لتحقق حلمها بالزواج ممن تحب بالرغم من معارضة الأهل والأقرباء.. ولم تعر رأي الآخرين بشريكها أي اهتمام.. فماذا يعيب الإنسان إذا كان فقيراً، ليس المال كل شيء.. ما دام الإنسان يمتلك الإرادة والطموح وما دام يسعى لتطوير نفسه وتحسين وضعه فلا بد لشريكته أن تتحمل معه كل الصعاب لذا عاشت عائشة مع زوجها وفق إمكانياته حتى أنها التحقت بوظيفة مدرسة لتعاونه على تكاليف الحياة.
إلى أن استطاع شق طريقه ويؤسس لنفسه شركة صغيرة بدأت تكبر يوماً بعد يوم.. لكنه بالرغم من ذلك أصبح يبتعد عنها وإن كان يعيش معها في المنزل نفسه.. لكنها لن تبتعد عن الحلم أبداً لأنه اختيارها أولاً وأخيراً، ويجب أن تثبت للعالم ولأسرتها أن اختيارها كان صحيحاً وأنها استطاعت تحقيق السعادة التي شكك في أمرها الآخرون.
هرولت عائشة إلى بيت أسرتها حاملة الطفلة ووضعتها لدى والدتها ثم اتجهت إلى السوق وتاهت بين الهدايا حائرة ماذا تختار؟ ولم تجد بينها شيئاً مميزاً يعبر عن حبها لزوجها وفرحتها بهذا الزواج وأخذت تتجول بين المحلات إلى أن رأت مجموعة من إطارات الصور المميزة التي صنعت يدويا وتغطيها الأحجار الكريمة فقررت شراء أحدها.
علَّ هذه الإطارات التي ستحمل صورها وزوجها وطفلتها تبقى معلقة إلى الأبد على جدار المنزل.. ثم اتجهت إلى محل الزهور واختارت مجموعة من الأزهار ذات الألوان الزاهية.. وقالت في نفسها، لعل هذه الزهور المتفتحة تعيد إلى حياتي الألوان من جديد.
استقلت عائشة السيارة وشعرت أن هذا اليوم يمر مسرعاً حتى أنها لا تعلم كيف ستتمكن من الوصول إلى صالون التجميل وسط زحمة السيارات المتراصة ثم تعود إلى المنزل لتفاجئ زوجها قبل عودته من العمل.. وتوقفت عند إحدى الإشارات المرورية ونظرت إلى السيارة التي بجانبها فرأت رجلاً وزوجته يتحاوران وتعلو ضحكاتهما بين الزحام.. فدمعت عيناها وتخيلت نفسها وزوجها عندما كانا يتبادلان الأحاديث التي لا تنتهي.
خرجت من صالون التجميل واتصلت بزوجها لتستفسر منه عن موعد عودته إلى المنزل ...لكنه لم يجب.. فأدركت انه مشغول وسيعاود الاتصال. عادت إلى المنزل وذهبت مباشرة إلى غرفتها وارتدت ثوباً جميلاً.. ونظرت إلى نفسها ملياً في المرآة وكأنها تستكشف جمالها الذي كان دائماً حاضراً.
وقعت عيناها على ورقة مطوية بالقرب من المرأة.. ففتحتها وبدأت تقرأ.. «عزيزتي عائشة.. لا تنتظريني اليوم أو غداً.. فأنا ذاهب في رحلة قد تطول.. لقد تعبت من تمثيل دور الزوج المخلص الوفي.. مللت من حياتي.. وقررت الرحيل.. سامحينى.. وتابعي حياتك.. التوقيع: زوجك».
تجمدت الدموع في عيون عائشة وبدأ جسدها يرتعش.. غير مدركة ما يحدث.. كأنها في كابوس.. وبدأت تنادي على الخادمة دون أن تدري لماذا؟ لكنها لم تجب.. بحثت عنها في المطبخ والصالة ولم تجدها فأسرعت إلى غرفة الخادمة لتجدها فارغة من كل شيء.
ماجدة ملاوي
