في حياتها لا مكان للروتين.. ولا متسع للملل.. هناك دائماً ما هو جديد.. ومسلٍ.. قصص الناس والجيران والصديقات وحتى الأعداء.. هي محور الحياة.. والمساهمة في تغيير مجراها هو عصب الأحداث لديها. لا يكاد يمر اليوم دون خبر من فاطمة أو اتصال مع عوشه.. أو لقمة غداء برفقة عفراء.. وبالطبع لن تكون نهاية الأسبوع مرضيةً دون عرس تطّلع فيه على حال الصديقات وتبحث فيه عن «سكوب» حصري تنفرد به لأيام.. وتطلع عليه الباقيات ممن يستمتعن بزيارتها الغنية بالأخبار الاجتماعية.. والسياسية والاقتصادية المحلية والدولية.. ويتندرن بأحاديثها ويشككن في صحة محتواها.
أم سعيد الستينية التي عاصرت أحداثاُ تاريخية مهمة، وعانت كثيراً في طفولتها.. وشبابها بسبب النزوح من بلدٍ إلى آخر.. والاستقرار الذي جاء متأخراً.. والحزن الذي خيم عليها بعد فقد الزوج.. والذي باغتته هي بابتسامة صامدة. وفي أحد المجالس النسائية.. وبمجرد وصولها تصبح أم سعيد هي محور الاهتمام شئنا أم أبينا.. وضيفاً ثقيلاً للبعض.. تستأثر بالحديث وتجيره دائماً لصالحها.. يقف معها في معارك النقاش والجدال صوتها العالي.. والحاد.. ونبرتها البطولية الطاغية. الحضور يلتزمون الصمت نأياً بالحديث إلى المزيد من الهدوء، كل ذلك لا يزال مقبولاً إلى حد ما.. لأنه على ما تقول صديقتها المقربة شيخة «الرمسه تسير وتيي.. دامها ما تضرنا.. تراها تسولف».
المجلس هادئ نسبياً.. حديث هامس في زوايا المكان.. وصمت يسيطر عليها.. أتراه الفضول؟ والرغبة المحمومة بالمشاركة في الحديث ومعرفة ما يدور في الطواحين الهامسة؟
تسترق السمع.. فيتبين أن الحديث يدور حول تراجع سوق الأسهم وصعود مؤشر الاستثمارات العقارية ودورها في تأمين الضمان المستقبلي لأصحاب الدخول الثابتة من الموظفين.. وتأتي الإجابة الواثقة سريعاً.. «الحين البلاد كلها استثمارات.. اشتروا عشان تضمنون مستقبلكم.. اتسلفوا من البنك.. واشتروا العقار.. وسددوا الدين من ربحه.. اشتروا دام انكم شباب.. «طبعاً هي من جيل الشباب دائماً وأبداً.. .. رائع.. مع أم سعيد هناك دائماً حل لكل المعضلات.
الحديث يتجه لأزمة المرور الخانقة.. ويتناول مبادرات الحكومة الرامية إلى تخفيف الازدحام.. فتشارك على وجه السرعة محددةً مكامن الخلل وواضعة الحلول الناجعة «محد مسوي الزحمه غير المواطنين.. عنبو.. 10 أنفار عندهم 20 سيارة.. وين تبون الشوارع تفضى؟».. ترد إحدى الجالسات «عاد المواطنين شويه.. البلاد تارسينها الأجانب، والحين كل حد يروم ياخذ ليسن ويشتري سياره».. «لا لا لا محد غير المواطنين لاعبين لعبتهم». الصمت يسود مرة أخرى.. لأن الجدال يبدو إلى المزيد من التعقيد. هي تعيش نشوة الانتصار.. فتحليلها يبدو لها مقنعاً.
تتخلل الأحاديث موجات من الضيافة.. يأتي هذه المرة دور الشاي.. تنشغل هي بالحديث في الهاتف.. وتضع إحدى الفتيات كوب الشاي على الطاولة أمامها.. تنهرها على مسمع الحضور قائلة: «ما يحطونه عالطاولة.. يعطون الضيف في يده.. عيب.. تسمعين؟؟؟». لم تدرك أم سعيد أن العيب ما فعلته هي.. تُحرج الفتاة وتعود أدراجها وصدى كلمات الغضب يردد الدموع في عينيها.
فهي ترى أن ما يحدث في لبنان يصيب السياحة في مقتل.. ويهدد حياة المقيمين هناك.. فتستعرض لغتها السياسية في حديث حصري «حسبي الله ونعم الوكيل.. ما دريتوا؟ ولد أم علي اغتالوه في مطار لبنان».. يتساءل الجميع «ولد أم علي مات؟».. تتدارك أم سعيد الوضع لتصلح ما يمكن إصلاحه.. «لا حبسوه.. وما فجوه لين ما دفعوا عنه فلوس». ويبدو أن لغتها العربية خانتها.. والتبس عليها الأمر.. وحل الاغتيال محل الاعتقال.. تعالت الضحكات ساخرة من أم سعيد وتضيف عفراء بغرض تلطيف الجو.. «الحمدلله يا ام سعيد ما كنتي مذيعة أخبار.. جان فنشوج على هالرمسه».
أمل الفلاسي
