الابتسامة التي طالعه بها الرجل الذي ظهر وراء الباب المعدني الذي انشق فجأة ليلج من خلاله إلى الداخل منحته شحنة شجاعة هائلة ليبادره بالسلام ويحاول مشاركته فرحة كبيرة انتظرها طويلاً كما قال لشريكه في المصعد والذي أبدى اهتماماً واضحاً لمعرفة سر هذا الفرح..و..وابتلع أيمن كلماته التي كان يهم بإخراجها عندما فتح باب المصعد العجوز مجدداً وانفتل شريكه خارجاً من الباب الذي فغر فاه معتذراً له عن عدم قدرته على الانتظار لارتباطه بموعد عاجل.
خرج من بوابة البناية محاولاً عدم الاستسلام لنتائج الحوار الفاشل بما يساعده على الاستمرار بالفرح وانعطف يساراً باتجاه الشارع الكبير مقرراً القيام بجولة طويلة للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة أعوام أي منذ وصوله للعمل في الدولة، هذه الجولة التي نبتت فكرتها فجأة بعد أن كان متجهاً الى المحل القريب لشراء بطاقة شحن لهاتفه المتحرك من ذوات العيار الثقيل لمشاركة الأحبة هناك فرحته الكبرى..
وبتمعن شديد نظر إلى موظف المكتبة في طريقه والذي يعرفه جيداً عله يدعوه للجلوس معه إلا أن الآخر أشاح بوجهه عنه وانخرط في حوار مع أحد زبائنه، ولم يكن الحال أفضل منه مع أبو أحمد صاحب شركة النقل البري الذي كان قد تعامل معه في العام الأول لمجيئه إلى هنا حيث أرسل لأسرته مع إحدى رحلات شركته وعاءً زجاجياً وآخر معدنياً مصنوعاً من مادة التيفال لأسرته..
أبو أحمد تجاهل نظرات أيمن أو ربما لم ينتبه إليها أصلاً ما دفعه لمتابعة سيره رافضاً أن يسمح لأي حادث أن يطفئ فرحته حتى سائق السيارة الأرعن الذي بدا متعمداً في دخوله مسرعاً إلى بركة المياه المتجمعة بالقرب منه ما نتج عنه تبلله بالمياه غير النظيفة.. بعض المارة اعتبر ابتسامة أيمن في رد فعله على ما جرى محاولة لمداراة الخجل من الموقف المحرج، فيما كان الأمر بالنسبة له وسيلة لحماية الفرح الذي لا يعرف سبباً له أحد غيره ولم يوفق حتى الآن بلقاء من يبوح له بسره.
قادته قدماه إلى مركز التسوق الكبير وباشر بالتنقل في أروقته المختلفة طمعاً بلقاء شخص يعرفه ليجالسه .. أنهكته الخطى والوحدة فألقى بجسده على كرسي في المطعم الملحق بمركز التسوق ولكنه انتفض فجأة واقفاً وهو ينظر إلى ذلك الطفل مع والديه على الطاولة المقابلة له يتناولون وجبةً من الشواء وأشياء أخرى.. الذكريات انهمرت عليه فجأة.. فغادر المكان.
الرغبة بالبوح لديه أصبحت أشد من ذي قبل ونظراته إلى المارة والجالسين على المقاعد المنتشرة على طول الطريق باتت أكثر جرأة عله يتلقى الدعوة من أحد لمشاركته جلسته ولكن تسلل اليأس إلى نفسه جعله يتخذ القرار بالدخول إلى صالون الحلاقة المكتظ بالزبائن واختار شخصاً وحيداً ممن ينتظرون دورهم وأطلق لنفسه العنان بالحديث عن سر فرحه: اليوم يا سيدي تلقيت النبأ الذي انتظرته مطولاً ومنذ ثلاثة أعوام فقد استجاب رب عملي لطلباتي المتكررة أخيراً وأقر زيادة راتبي بما يؤهلني أخيراً لأن أرسل في طلب عائلتي لتقيم معي..
كم اشتقت إليهم يا سيدي .. كم اشتقت لولدي الوحيد إلى فطر قلبي عندما ودعته قبل ثلاثة أعوام.. اليوم يا سيدي تجسد أمامي عندما رأيت عائلة سعيدة تتناول الطعام سوياً، لقد عانيت وصبرت كثيراً يا سيدي وها قد نلت ثمرة ذلك و..ولكن ألا تجد الأمر مفرحاً يا سيدي.. ألا تجده كذلك، ويرد الشخص الجالس بقربه عليه بهزة من رأسه يمنة ويسرة.
ويقول: ما في معلوم .. ما في عربي ..لم يستطع تبين كنه الإحساس الذي كان ينتابه في طريق العودة إلى المنزل عقب ما جرى معه، ولكنه جاهد مجدداً للبقاء في دائرة الفرح، فقام بشراء بطاقتين لهاتفه المتحرك من ذوات الـ 40 درهماً وصعد إلى الغرفة التي يقطنها، وبدأ بأصابعه يطرق باب الأحبة عبر هاتف جيرانه ليزف لهم النبأ..
تلكؤ جارته في إبلاغ زوجته بالحضور للحديث معه جعله أكثر إلحاحاً عليها.. فانهارت باكية وفهم من خلال دموعها التي وصل رذاذها إليه عبر الهاتف بأن ولده قد توفي قبل يومين بحادث سير.
ألقى بهاتفه جانباً.. وأخرج من حقيبته صورة تجمعه مع ولده وقام بإحراقها ووضع رمادها في زجاجة أسكنها الرف المجاور لسريره.
خالد اللوباني
