من مقاصد القرآن الدعوة إلى تزكية النفس البشرية فلا فلاح في الأولى والآخرة لها إلا بالتزكية كما قال تعالى: (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) ويرى الدكتور يوسف القرضاوي أن النفس بفطرتها مستعدة للفجور استعدادها للتقوى التي تطهرها وتزكيها وعلى الإنسان بعقله وإرادته أن يختار أي الطريقين طريق التزكية أو الطريق الآخر.

ولا ريب أنه إذا اختار طريق التزكية فقد اختار طريق الفلاح قال تعالى «قد أفلح من تزكى» وقال سبحانه فيمن يأتي ربه يوم القيامة «ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى، جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى». ورسالة الأنبياء جميعاً كانت دعوة التزكية ولهذا رأينا موسى عليه السلام يقول لفرعون حين أرسل إليه من ربه (اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى).

وكان من الشعب الأساسية لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم التزكية كما جاء ذلك في أربع آيات من كتاب الله منها ما جاء في دعوة إبراهيم وإسماعيل للأمة المسلمة الموعودة «ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم». ولذا كانت مهمة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم مع العرب الأميين ذات شقين: الأول تطهير العقول من خرافات الشرك وأباطيله وتطهير القلوب من قسوة الجاهلية وغلظتها وتطهير الإرادات من الشهوات والنزوات وتطهير السلوك من رذائل الجاهلية.

والثاني: هو تنمية العقول بالمعرفة والقلوب بالإيمان والإرادات بالتوجه إلى عمل الصالحات والسلوك بالتزام العدل والإحسان ومكارم الأخلاق. وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فقد علم العرب الكتاب والحكمة وزكاهم أعظم تزكية بما هدم فيهم من أفكار الوثنية وانحرافات الجاهلية وما بنى فيهم من معارف التوحيد وفضائل الإيمان فكانوا خير أمة أخرجت للناس.

ولا تتم هذه التزكية إلا بفضل من الله وتوفيقه كما قال تعالى «ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء».كما لا بد من جهد الإنسان وجهاده كما قال تعالى «ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير». وأهم ما يجب أن تتحلى به النفس الزكية هو: أخلاق المؤمنين التي جلاها القرآن في كثير من سور القرآن والتي تمثلت في الخلق النبوي حتى كان خلقه ـ عليه الصلاة والسلام ـ القرآن كما وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وأهم ما يجب أن تتطهر منه النفس هو أخلاق النفاق ورذائل المنافقين التي جلاها القرآن أبلغ تجلية.

رجاء علي