قال الشيخ: روي أن أبا حنيفة رضي الله عنه كان في مجلس له مع مريديه فدخل عليهم رجل يظهر من هيئته وملبسه أنه من ذوي العلم، وكان الإمام قد مد رجلاً له لألم فيها فلما دخل الرجل طواها تحته إجلالاً وإكباراً للعلم وأهله، وكان أبو حنيفة يتحدث عن الصيام فلما أنهى حديثه سأل إن كان لأحد سؤال أو استفسار فقال الرجل: قلتم إن الصيام يبدأ مع أذان الفجر وينتهي بغروب الشمس وحلول الظلام فكيف إذا حّل الظلام ولم تغرب الشمس بعد؟! قال الإمام لطلابه بعد أن مد رجله: مّدوا أرجلكم إن أردتم يا شباب.

ولعل الناظر اليوم في أمر بعض الدعاة وخاصة بعض دعاة الفضائيات أو الصحف السيارة يرى أنهم يفتقرون إلى كثير من الضروري واللازم، وأن جهلهم في بعض المسائل جهل عظيم لا يغتفر، وأن نقص معرفتهم يكاد يخسف بعلمهم وبهم الأرض، فالخطأ كبير والجهل خطير وانتشار أحاديثهم بين الناس لا يغفره الصغير قبل الكبير.

إن أقل ما يقال عن هؤلاء من الدعاة الذين عقدنا عليهم الآمال أنهم (يفصّلون) ديناً على هواهم فيزيدون وينقصون، ويتوسعون ويختصرون، ويقدمون ويؤخرون، ثم إنهم يقولون في التفسير وغيره من علوم الدين برأيهم، والقول بالرأي يودي بصاحبه إلى جهنم وبئس المصير.

ونحن نقول العلم ونقصد به علوم الشريعة والعلوم الدنيوية وأمرهما سواء، ولا يغفر لداعية الجهل في أي منهما، فنقص علوم الشريعة ضلالة يضل بها المرء نفسه ومن يسمعه، ونقص العلوم الدنيوية غياب عن العالم، وتوارٍ عن الأنظار، وهروب من أرض المواجهة، وخمول أشبه بالجبن.

ويوجد اليوم وسيوجد دائماً من يعد على المسلمين أخطاءهم ومواقع تقصيرهم ونقاط ضعفهم ومواضع جهلهم، وكل من لم يقف على ثغر من ثغور الإسلام باذلاً أقصى الجهود لسد النقص وتلافي أي نوع من الجهل كان على خطأ كخطأ من يولي دبره لعدوه في القتال وهو كبيرة من الكبائر.

ويضاف إلى الجهل عميق العلم في ميدان الاختصاص مع جهل شامل في الميادين الأخرى، ذلك أن حوار الثقافات اليوم حوار واسع وشامل وهو ينتقل من ميدان إلى آخر في العلوم والمعارف ولا يعف عن أي منها، خذوا عندكم المسألة الأولى في علم العقائد الإسلامية وهي مسألة وجود الله حيث لم تعد الأساليب المنطقية الكلاسيكية التي كانت تستخدم في كتب الأقدمين كافية ومشبعة للناس في الوصول إلى امتلاك اليقين، وهكذا صار على الداعية أن يستخدم لغة العلوم وفلسفتها وميادينها في هذه المسالة وغيرها بما يتناسب مع لغة هذا الزمان وعقول من فيه.

ثم إن من العلم الواجب ما يسمى اليوم بعلم الاقتصاد الإسلامي، وعلم الإدارة الإسلامية، وعلم التربية الإسلامية، وعلم النفس الإسلامي وغيرها من العلوم فهي تؤصل لأساليب ونماذج وأدوات تحقق الكسب والنجاح والعافية والإمكانات دون أن تدخل في نسيجها شبهات الظلم والتظالم والاعتداء على النفس والآخر.

لقد قامت الحياة في القرون الأخيرة على المكابرة والمعاندة، وعلى الخطايا والعصيان، وعلى الظلم والتظالم، وعلى الشرور والفساد، فالاقتصاد أساسه الربا، وهوس الحرية مقدم على الحقوق والواجبات، والأموال هي الحاكمة والمستحكمة، والتربية تنتج مسوخاً لا تستحق الاحترام،وكل هذا قائم على علم شيطاني يزيد الأقوياء قوة ويمحق الفقراء والضعفاء ويسحقهم سحقاً، من هنا كان لا بد للداعية إلى الله وما يريده لعبيده من خير أن يتزود بما يكفي من علم لإنقاذ البشرية من هذا الظلم، والأمر ليس ببعيد عن رجال يكرمهم الله بمدد من عنده بعد أن يرى إخلاصهم وصبرهم.

من هنا لزمت الحكمة لزوم العلم للداعية، لأن الحكمة هي الضابطة للعلم الحامية له من الانحراف أو الزيغ أو الضلال، فعلمنا علم من يضع المال في موضعه ويؤسس لبناء إنسان يغلب حقه على باطله، وخيره على شره، ونفعه على ضره، وعطاءه على أخذه، وهذه كلها ليست مواضيع للعلم وإنما هي لب الحكمة وأصل الدين.

ماهر سقا