الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري «البرلمان» وعضو مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف أحد أبرز رجال الدعوة في مصر، ويعتبر من العلماء المعتدلين الذين أسهموا بشكل فاعل في الحوارات المستمرة بين الأديان، تحدث هاشم لـ «البيان» حول كثير من القضايا التي تشغل المسلمين.
مؤكدا على ضرورة الدفاع عن الدين بثقة وقوة، وتحدث عن دور المسلم في الحياة، والهجمة التي تتعرض لها السنة النبوية الشريفة، ووضع المرأة والطفل في الإسلام، وغيرها من القضايا الملحة التي يحتاج المسلم المعاصر إلى رأي سديد فيها، فإلى التفاصيل. تضارب وتناقض الفتاوى بين بلد وآخر في العالم الإسلامي ظاهرة تثير كثيرا من البلبلة ويتخذها أعداء الإسلام طريقا للهجوم.. ما سبب هذه الظاهرة برأيك؟
تناقض الفتاوى لا شك أنه يسبب مشاكل عديدة وبلبلة في أوساط المسلمين، وهذا يرجع إلى افتقار الحوار المستمر والتواصل بين علماء المسلمين في إطار الفقه، وعدم مناقشة مثل هذه التضاربات في الفتاوى، وذلك على الرغم من وجود آلية من خلال مجمع البحوث الإسلامية، واعتقد أن الأمر يحتاج إلى تشاور وتحرك، وعلى الرغم من أن مثل هذه الاختلافات في الفتوى ليست كثيرة بالشكل المزعج، لكنها على قلتها تعطي الفرصة لأعداء الإسلام للنيل من ديننا الحنيف.
لكن مادمنا نختلف ونتفق كمسلمين في أمور حياتنا ونجتهد للوصول إلى الحقائق، لماذا لا نتوحد بحب حتى نختلف بحب أيضًا؟
أولاً اختلاف العلماء فيه رحمة بالأمة، ولكن للأسف نجد المسلمين يتفرقون في الحياة وتتصدع تجمعاتهم، ولذلك بالضرورة أن نعمل على وحدة الصف خاصة الذين يقيمون في غير أوطانهم بأن لا يتفرقوا ويتوحدوا، فالمسلمون لابد أن يكونوا يد واحدة، وعلينا أن نتسامح وأن نعفو عن بعضنا كما أمرنا بذلك الرسول الكريم، ومن هنا يأتي الحب والترابط، وبالتالي يأتي التوحد، وتكون كلمتنا سواء.
هل يفسر هذا بأن مسألة الحوار بين الأديان فشلت؟
أولاً الحوار ضرورة من ضرورات العصر، وأعتقد أننا في حاجة إلى سلام واستقرار وتعايش حقيقي، والحوار بين الأديان إنما جاء كمحاولة منا لمد الجسور مع مختلف أتباع الديانات السابقة عن الإسلام، لكن هذا الحوار لم يحقق النجاح المرجو منه، بسبب غياب الوضوح والمكاشفة لمعالجة أي تداعيات تحدث في إطار التعدد الذي يفترض أننا نعيشه، كذلك لم نلمس اهتماماً جدياً من الآخر بأهمية هذا الحوار.
لكني في الوقت نفسه أعتقد أن على المؤسسات الإسلامية أن تقوم بدورها في تبصير العالم الإسلامي لمواجهة مختلف التحديات التي يتعرض لها عالمنا الإسلامي، ولا يمكن أن نحقق ذلك إلا إذا تكاملت أدوار الدول الإسلامية، لذلك نحن في حاجة أولاً وقبل كل شيء إلى توحد الأمة الإسلامية التي تواجه هجمة شرسة لابد أن نحسمها بالعلم والحجة القوية بعيدًا عن الآراء المتطرفة.
ألا يقودنا هذا إلى ضرورة المحافظة على الهوية الإسلامية قبل التعامل مع الآخرين؟
نحن كمسلمين علمنا ديننا أصول الأدب والتعامل مع الآخرين.. فهو دين يقوم على الرحمة، ومنحنا القدرة على مخاطبة الآخرين بما يسمح لهم الاستماع إلينا وفهم قضايانا، وطالما كانت الدعوة قائمة على أصول الدين واحترام معتقدات الآخرين، فلابد أن يكون هناك قبول من الطرف الآخر بشكل يوفر أرضية صالحة للتعايش.
لكن الغرب فرض علينا حصارا عريضا جعلنا في موقف الذي يدافع عن عقيدته، كيف تفسر ذلك؟
نحن لم نكن في الوضع الأضعف أبدا، لذلك علينا بالضرورة أن نتعامل بثقة، لأن ديننا وفر لنا أرضية صلبة للانطلاق منها والدفاع عن معتقداتنا، وهذا أيضاً يدعونا أن نتعامل باحترام متبادل مع الآخرين، دون أن نقلل من أنفسنا تجاه أشياء باطلة، ونحن نطالب الآخرين خاصة الغرب بعدم الاستهتار بالمسلمين، والكف عن أي محاولات للتهجم على ديننا ونبينا صلى الله عليه وسلم، خاصة أن مثل هذه الأمور هي التي تباعد بيننا وتعقد الأمور.
وما رأيك في استمرار الهجمة على السنة النبوية بهدف التشكيك فيها والنيل منها؟
لقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ كل صحيح من السنة النبوية، وما يقوم به المستشرقين وأعداء الإسلام من هجمات على السنة لا قيمة لها، لأن المسلمين اهتدوا بسنة الرسول الكريم، ويدركون أهميتها في تعلم دينهم، والالتزام بالسلوك القويم اقتداء برسولنا الكريم.
إذن كيف ترد على «جماعة القرآنيين» الذين ينكرون السنة النبوية المطهرة؟
إذا كان القرآن يقول «وأقيموا الصلاة{ فمن أين يعرف المسلم كيفية الصلاة بغير الأحاديث النبوية الشريفة، التي شرحت ذلك، فهؤلاء مخالفون للشريعة والقرآن، لأن السنة النبوية هي التبيان العملي لكتاب الله الذي أمرنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
وهؤلاء تجاهلوا أنهم يخالفون القرآن الكريم نفسه لأنه يقول «وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{ فهؤلاء مخالفين للقرآن، وهم ليسوا قرآنيين، بل إنهم يريدون هدم الإسلام من خلال التنكر للسنة النبوية وتشكيك المسلمين في صحتها، بينما تعتبر السنة المصدر الثاني للتشريع، وهم أيضاً كاذبون في ادعائهم حمل كتاب الله، فلو عرفوه لاتبعوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
مع عصر الفضاء والعولمة التي سيطرت على عقول كثير من الشباب المسلم كيف نجعل الإنسان المسلم مستقل الشخصية؟
علينا أن نحافظ على أخلاقنا وعدم السقوط فريسة لتقاليد لا تتناسب مع عقيدتنا وتقودنا إلى الضلال، وكذلك أن يستقل المسلم بشخصيته دون أن يذوب في ركام العادات والتقاليد التي تفرزها حضارات غريبة، وهذا لا يعني ألا نستفيد من كل ما هو جديد، وأن نستخدم التكنولوجيا الحديثة، ونستفيد بها فيما يفيد ديننا ويوصله للآخرين، وعلينا أن نأخذ كل ما يفيدنا ونرفض ما يسئ إلينا.
ظلت المرأة دائمًا محل جدل.. هناك من ادعى أن الإسلام يسئ معاملتها.. ما ردك؟
الإسلام أعطى المرأة مسؤوليات كبيرة، بالوقوف جنبا إلى جنب مع الرجل في مسيرة الحياة، وتربية النشء الصالح، كما كرمها وحفظ لها حقوقها كاملة، بل إن الرسول الكريم أوصى أن لا تجبر أو تكره الفتاة على الزواج بغير إرادتها، لذلك هذه المزاعم محض افتراء، خاصة أن المرأة قبل الإسلام كانت معدومة الحقوق.
هذا فيما يتعلق بالمرأة فكيف تنظر إلى حق الطفل في الإسلام؟
حقه محفوظ، فالإسلام يحفظ حقه حتى قبل أن يأتي للحياة، بل من قبل أن يرتبط أبواه ببعضهما، وقد وضع الإسلام شروطا تضمن رعاية الأبناء خير رعاية وفي مناخ صحي تماما، وكذلك أعطى الله سبحانه وتعالى الأم رخصة للإفطار إذا كانت حاملاً في رمضان حفاظا على الجنين، وتمتد الرخصة إلى ما بعد الوضع حفاظًا على صحة الأم لتغذية الرضيع.
وكذلك من حقوق الطفل بعد الولادة العقيقة، والمقصود بها الذبيحة التي تذبح بعد 7 أيام من ولادته، وهذا لقول الرسول الكريم «كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه»، كذلك أوصى الإسلام بتحسين الأسماء، لأن ذلك ينعكس على حياة الطفل ونفسيته.
نادى الإسلام بالوسطية التي تعني الاعتدال.. فإلى أي مدى تتجلى هذه الوسطية بين المسلمين في الوقت الراهن؟
ـ الله عز وجل جعل هذه الأمة وسطا، وهو القائل «وجعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا{، ووسطية هذا الدين تجلت أيضاً في الزمان حيث جاء في وسط الزمان، وفي المكان بمكة المكرمة التي تتوسط العالم، والعبادة في الإسلام ليست صعبة ولا شاقة، وليس فيها تعب ولا عسر بل فيها الرحمة والخير، وليس المقصود من الوسطية أن يكون الإنسان في درجة المتوسط الذي لا يبلغ الدرجات العلى، إنما درجة الوسط تعني الاعتدال بلا غلو أو تهاون، وهناك الوسطية في الأخلاق وقيم الإسلام من كرم وشجاعة وتسامح وعفو ورحمة وغيرها.
ينادي الكثيرون بضرورة تحويل الدعوة الإسلامية إلى دعوة عالمية للجميع دون اقتصارها بين المسلمين وأنفسهم فما تعليقك؟
الإسلام انتشر في مجاهل الأرض وإفريقيا من خلال القدوة الحسنة، وهذا يرجع إلى تلك الواجبات المفروضة على المسلم، وضرورة الالتزام بها في الخارج، وهي أن يكونوا صورة طيبة ومشرفة لبلادهم.
د. احمد هاشم
