قانون مراكز الإخصاب الذي مضى عليه أكثر من عامين ما زال مثارا للجدل والنقاش حول مسألة حفظ وتجميد الأجنة، واشتراط أن يكون أحد أطباء الإخصاب عند الترخيص لمراكز الإخصاب والمساعدة على الإنجاب مسلما الأمر الذي اعتبره بعض أعضاء المجلس الوطني أمرا «ضروريا للحفاظ على الأنساب»، في حين يرى فريق آخر أن دستور الدولة يؤكد على عدم التفريق بين الناس في الأصل والعرق والدين.
وقال عدد من أطباء الإخصاب في الدولة بان الحل الأمثل لتجاوز الجدل القائم يكمن في اقتصار أنشطة الإخصاب على المراكز الصحية الرسمية في الدولة أو تشكيل لجنة طبية موثوقة علمياً ودينياً، في مركز حكومي، أو مؤسسة رسمية غير ربحية، تحكمها قوانين تنظيم عملية حفظ البويضات والأجنة مع وجود ضمانات تكفل عدم اختلاط الأنساب، والتلاعب بتلك الأجنة، طالما أنها مجازة شرعا وتطبق في دول مثل السعودية ومصر والأردن وغيرها مطالبين بضرورة الاستفادة من تجارب الآخرين وعدم الوقوف أمام التقدم والتطورات العلمية السريعة التي يشهدها القطاع الطبي. وقالت إحدى طبيبات الإخصاب طلبت عدم نشر اسمها بان عملية تجميد الأجنة تعتبر من جملة التطورات والطفرات العلمية الجديدة في مجال الإنجاب الصناعي، وهذه العملية يتم إجراؤها في معامل أطفال الأنابيب المتقدمة في حالات التلقيح الخارجي.
حيث يوجد عدد فائض من البويضات التي لا ينفع نقلها إلى رحم صاحبتها بعد أن نقلت إليها إحداها مخصبة، فيلجأ إلى تجميد ذلك الزائد مخصبا أو غير مخصب من أجل حفظه، مما يتيح للزوجين فيما بعد أن يكرر عملية الإخصاب عند الحاجة، كما في حالة عدم حدوث حمل في المرة الأولى مثلا، أو في حالة ما إذا قررا فيما بعد إنجاب طفل آخر، وذلك من دون حاجة إلى إعادة عملية تحفيز المبيض لإنتاج بويضات أخرى.
وقالت بان فكرة التجميد تعتمد على حفظ الخلايا تحت درجات برودة منخفضة جدا يتم غمرها في النيتروجين السائل الذي تبلغ درجة برودته 190 درجة مئوية تحت الصفر، ويمكن أن تصل مدة الحفظ إلى عدة سنوات من دون أن تتأثر البويضات المحفوظة.
وبالتالي ليس هناك محظورات شرعية، لأنها أي عملية التجميد تعتبر من مكملات عملية طفل الأنابيب التي أجازتها المجامع الفقهية الإسلامية بين الزوج وزوجته بناء على أنها من باب العلاج للإنجاب، والأصل في العلاج والتداوي المشروعة، وهذا مما لا خلاف فيه بين أئمة المسلمين، وإذا كان العلاج جائزا، فإن مكملاته جائزة أيضا لأن الإذن في الشيء إذن في مكملات مقصودة.
وتضيف الشريعة الإسلامية أجازت التجميد بأنواعه ولكن بضوابط فمثلا لا يجوز استخدام الأجنة المجمدة بحال من الأحوال بعد وفاة الزوجة لأنه بوفاتها تنتهي العلاقة الزوجية ويقاس عليه الطلاق وأيضا لا يحق للزوجة المطالبة بعينات الزوج بعد وفاته وأن ما تطالب به هو من جسد الميت وليس ملكا من أملاكه لا يمكن أن ترثها أو تستفيد منها.
وتقترح الدكتورة وضع ضوابط على عملية تجميد الأجنة منها أن تتم عملية التخصيب بين زوجين، وأن يتم استدخال اللقيحة في المرأة أثناء قيام الزوجية بينها وبين صاحب الماء، ولا يجوز ذلك بعد انفصام عرى الزوجية بوفاة أو طلاق أو غيرهما، وأن تحفظ هذه اللقائح المخصبة بشكل آمن تماما تحت رقابة مشددة بما يمنع ويحول دون اختلاطها عمدا أو سهوا بغيرها من اللقائح المحفوظة.
واعتبرت شرط وجود احد أطباء الإخصاب عند الترخيص لمراكز الإخصاب والمساعدة على الإنجاب مسلما امرا ضروريا خاصة وان هناك أكثر من 230 جنسية تعيش على ارض الدولة بعادات وثقافات مختلفة ومغايرة لعاداتنا وتقاليدنا وموروثنا الإسلامي، وبالتالي اشتراط وجود الطبيب المسلم في مثل هذه المراكز يعتبر جيدا ولكن الأهم في العملية مراقبة هذه المراكز عن كثب وإيقاع أقصى العقوبات بحق كل من تثبت إدانته.
وقال طبيب آخر بان تقنية تجميد البويضات غير الملقحة تساعد نظرياً النساء قبل سن اليأس لحفظ بويضاتهن، مشيرا إلى أن علم تجميد الخلايا (الخلايا الجذعية، والحيوانات المنوية والبويضات) ليس علما جديدا، وإنما بدأ منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما وقد انتشرت بنوك دم الحبل السري التي يمكن فيها تجميد الخلايا الجذعية المستخلصة من الحبل السري عند الولادة وحفظها للمولود لسنوات عدة.
وهي عبارة عن بوليصة تأمين يمكن الاستفادة منها في علاج الكثير من الأمراض المزمنة والمستعصية، وبنوك الحيوانات المنوية التي تجمع لاستخدامها في حالات العقم الناتج عن عدم وجود حيوانات منوية في السائل أو في الخصية أو في حالة إصابة الرجل بمرض خبيث يستدعي استخدامه لعلاج كيميائي أو إشعاعي الذي قد يؤثر على الحيوانات المنوية إضافة لأسباب أخرى عديدة تستدعي أحيانا حفظ الحيوانات المنوية.
وأوضح أن تقنية تجميد البويضات تعتبر مهمة للمرأة التي تكون خيارات الخصوبة المتاحة أمامها محدودة بسبب المرض أو الجراحة أو العلاج الكيميائي، فمثل هؤلاء النسوة هن أفضل من يستفدن من تقنية استخلاص البويضات وتجميدها لاستخدامها في المستقبل، مشيرا إلى أن هذه التقنية تتيح للمرأة التي تأخر زواجها الاحتفاظ بقدرتها الطبيعية على الإنجاب.
وقال عمليات التلاعب بأطفال الأنابيب والبويضات وغيرها تبقى قائمة خاصة لدى ضعاف النفوس في ظل غياب الرادع الأخلاقي والمهني والديني وبالتالي يجب أن يكون هناك لجنة وطنية تضم في عضويتها كافة الجهات المعنية مثل الصحة والعدل والداخلية تتولى الإشراف والمراقبة الدقيقة والصارمة على هذه المراكز بصورة دورية.
وترى طبيبة أخرى بأنه من الضرورة بمكان معرفة من الذي سيقوم بتلقيح هذه البويضة وبناء عليه يكون جواز هذه التقنية من عدمها..
فإذا كان من سيلقح هذه البويضة التي قامت الزوجة بادخارها لفترة لحين الحاجة إليها بسبب خشيتها من عدم الإنجاب بسبب تأخر سن زواجها أو بسبب مرض زوجها من زواج شرعي صحيح وقائم وقت تلقيح البويضة فلا شيء في ذلك لأن الأب معروف والأم معروفة والزواج قائم فليس هناك مشكلة في هذه الحالة لأن البويضة المجمدة للزوجة تم الحصول عليها مرة أخري ولقحت من الزوج.
أما في حالة أخذ بويضات من المرأة وتجميدها والانتفاع بها في المستقبل ثم توفيت المرأة أو لم تتزوج وأخذت هذه البويضات المجمدة كي تنتفع بها امرأة أخرى فهنا يكون خلط الأنساب. نفس الشيء بالنسبة للرجل إذا تم تجميد منيه لادخاره للمستقبل بسبب علة ثم مات هذا الرجل أو طلق زوجته فلا يجوز في هذه الحالة استخدام ذلك المني لأن علاقة الزوجية أصبحت غير قائمة بسبب الطلاق أو الوفاة واستخدامه في هذه الحالة حرام حرام، فالنسب يثبت وقت العلاقة الزوجية الصحيحة القائمة فقط.
لا حاجة لمراكز الإخصاب الخاصة
مع التقدم السريع في مجال الإخصاب أصبح لزاماً علينا التريث قبل الانزلاق في متاهات تحمل شعارات العلم والتقدم، فقد ظهر في الدولة خلال السنوات القليلة الماضية بعض التصرفات والممارسات التي تتعارض مع قيمنا الأخلاقية والدينية ومع المبادئ الأساسية التي تقوم عليه مهنة الطب التي تعتبر من أنبل المهن الإنسانية بسبب حفنة قليلة من «الأطباء» الذين ضربوا بعرض الحائط كل أخلاقيات المهنة.
فعملية التلاعب بالبويضات والحيوانات المنوية تبقى قائمة وعملية التلاعب بالأنساب واردة خاصة في ظل غياب الرادع والوازع الديني فمثلاً لو أعطيت البويضة المجمدة لسيدة على سبيل الخطأ أو الإهمال أو الاتجار لنتج عن ذلك خلط في الأنساب، ونفس الشيء قد يحدث في حال الحيوانات المنوية.
ونظراً لخطورة هذه المسألة وتعقيداتها وما قد يترتب عليها مستقبلاً، فمن باب الأجدى إذا اقتصار مثل هذه المسائل المعقدة على الجهات الصحية الرسمية في الدولة وعلى رأسها وزارة الصحة وهيئتا الصحة في دبي وأبوظبي ولا اعتقد أننا في حاجة لمراكز خاصة في الدولة طالما أن مثل هذه الحالات تعتبر من الحالات القليلة التي يمكن استيعابها من قبل القطاع الحكومي بدلاً من السماح لمن هب ودب بممارسة الإخصاب.

