حين تضيّق الظروف الخناق على ( ش) تجد نفسها أمام مخرج واحد لا ثاني له، وهو الخروج بالهرب بعيدا عن الأجواء المحيطة.. أيا كانت.. وهي حين تشعر بذلك الاختناق وتفكر في المخرج ستترك كل شيء حسب تعبيرها.. وكل شيء في حياتها ثلاثة.. والدتها التي لا تتوافق معها في كثير من الآراء والأفكار وبالطبع الأساليب، ووظيفتها التي لم تجد فيها حسب تصورها مجالا ممتعا مما يشجعها على الابتكار فيها، والترقي، ومجتمعها الذي لم تجد فيه من يردم هوة وحدتها ويملأ فؤادها ويستأثر بعواطفها.

تتهاطل النصائح من المقربين والمطلعين على شيء مما تسارّهم به (ش) من خفايا النفس، وعادة ما تعود عن نيتها، وتنحى إلى الهدوء والتناسي، فتغرق مجددا بتفاصيل الحياة اليومية التي كانت ترفضها بالأمس راغبة في الخلاص منها،.طلعت شمس يوم على (ش) وهي غارقة في كآبة شديدة، إثر مناقشة حادة بينها وبين.. أمها، أدت إلى تصادم أقعدها الليل ساهرة محاصرة بالفكرة إياها والخلاص بالهروب ومن غير رجعة، وبدا الإصرار نهائيا هذه المرة، خاصة حين تعود إلى اجترار الإخفاقات المتراكمة التي أحدثتها الإقامة الجبرية مع ذهنية ترى بأنها تبتعد عنها بأربعة عقود.

الأمر الذي دفع بها للالتحاق بالوظيفة وهي لا تحتاجها، كل ذلك فقط لتتجنب الوجود في البيت فترة أطول، ولتمنع الوالدة من فرصة الانفراد بها والدخول في جدال معتاد، كسراً للوحدة التي تكابدها تلك الأم هي الأخرى، عندها اكتشفت (ش) أنها تمارس الهروب منذ زمن وهي لم تبرح الخارطة والمجتمع والبيت، شعرت أنها تفقد نفسها وتتبدد راحتها، فتضيع أحلامها. هكذا تعود بها الحيرة إلى دائرة الأسئلة.. باحثة عن حل وقد أوشك العمر على الخريف، والحال هي هي منذ أكثر من ربع قرن؟

فقط لتعبر إلى الضفة الأخرى كما تحدث نفسها. كانت (ش) كلما سمعت حكاية إحدى (الفارات) من قيد التقاليد ومن ظلم ذوي القربى تعاطفت معها وأوجدت لها أعذاراً ومبررات، قبل أن تخرج من جوفها زفرة تحسد بها تلك التي حظيت بالخلاص حسب اعتقادها. حتى حانت ساعة الانفجار وقررت أن تضرب عرض الحائط بالوظيفة والمؤسسة التجارية وبكل الشهادات المتراكمة، و.. بسجال أمها!

قررت (ش) رؤية شمس النهار المقبل في جغرافيا أخرى، واستحضرت (س) العربي الذي أبدى يوما إعجابه واستعداده لخطبتها لولا موقف أهلها الرافض لاي غريب وبلا أي استثناء.

لكنه اليأس حين يضرب أطنابه في الروح، يحاصر النفس ويغرقها في العمى فيدفع بها إلى التشبث ولو بالهواء ومجاهل القرارات المؤذية.

كانت خطواتها إلى شركة الطيران متسارعة لكنها مضطربة، كذلك وهي تتجه إلى سلم الطائرة. كانت الأفكار في ذهنها تتلعثم متلاطمة، والكلمات تشتعل في داخلها بينما تنفث دخان أنفاسها الملتهبة.

وحين همت (ش) بالدخول إلى الطائرة نمت عنها التفاتة إلى الوراء؟ فتدحرجت مشاعرها تسابق دمعاتها، وأدركت كم الخسارة التي تهرب إليها، وتذكرت نصيحة ذكرت يوما على مسامعها (أن احمدي الله أن لك أمّين)!

لم تدرك معناها في حينه، لكنها أدركته حين لاح لها مجهول على بوابة المغادرة. لملمت ندمها وعادت أدراجها بأسرع من خفق فؤادها المتوتر، أقبلت على من حملتها في بطنها تقبل يدها، ثم تقبّل تراب الأرض الأم التي تحملها فوق ظهرها.

فاطمة الهديدي