تقتحمهم وترخي بظلالها على النفوس، تباغت لحظات التأمل وتسير بالوجوه نحو ابتسامة لا سر لها.. ابتسامة رضا؟ فخر؟ أم فرح؟ نعم هو الفرح، ذلك الشعور الذي تبعثه الذكريات.. هي سوستهم التي لا يجدون عنها بديلاً، ولها يخصصون مجالس الحديث، يتداولون فيها مغامراتهم، ويخففون وطأة الزمن القاسي، هي أحاديثهم التي يستسلمون لها بملء إرادتهم، ويجدون فيها متعة الكلام، ينزلقون في دهاليز وصفها وكأنها روائع خبرات الحياة التي لن تتكرر. يقول الأجداد: «محد أفشر عن العيوز في شبابها، والغريب في بلاده»، للدلالة على النبرة البطولية التي تسيطر على الحديث عن الذكريات، فقط لأنها أحداث مرت لا يمكن التأكد من صدقيتها، واسترجاع تفاصيلها حتى في الأحاديث المطولة.

المكان هادئ، يسكن زوايا الهواء الطلق في أحد الأحياء السكنية، الجلسة عائلية، والجالسون يفترشون الأرض في وضعيات مختلفة، أهم ما يميزها الارتياح، الأعمار تتراوح بين الأربعة والسبعة عقود، هناك حتماً ما ينشط الذاكرة، لعله مذاق القهوة ورائحتها، أو الأواني التراثية القابعة هناك، أو بعض الوجوه الآتية من عمق الذاكرة، أو رصد الحركة العمرانية المتنامية حولهم، أو الفراغ اللا محدود.

حيث يمكن الإسهاب في الحديث دون الشعور بالوقت والمكان، هي أم أربعينية، لكنها احتفظت بعين الطفولة، «صباح كل يوم تعود بي الذاكرة بضع سنين إلى الوراء، عندما كانت الدنيا جميلة وملونة، ومشبعة بالفرح والأمان، كنت أشعر أن الدنيا صغيرة جداً، بيتنا، بيت خالي وبعض بيوت الجيران، المدرسة، و(السوبر ماركت)، ما عداه كان يمثل لي عالماً حدوده تقع خارج مخيلتي الصغيرة، اللعب كان أكثر ما أستمتع به، عندما أعود من المدرسة، أهرع إلى الدكان، ثم إلى شاطئ البحر برفقة بنات الجيران، نبني قصوراً بالرمال.

ونختزل أحلامنا فيها، عند المغيب، أعود إلى البيت، أرتمي في حضن السرير وأستسلم للنوم قريرة العين، أبنائي اليوم لا يلعبون كما كنا نحن» يوغل الحديث في القدم، وتدور رحى الذكريات في اتجاه آخر، وفي زمن تتباهى فيه إحدى الجدات قائلة، «ما زلت أتذكر عدد الخطّاب الذين تقدموا لي، كنت ما أزال صبية ألعب في الحارة، تشاجر أبناء عمي لكي يظفر أحدهم بي، ولكن رفض والدي وزوجني لابن خالتي».

أما هو، الستيني الذي عاصر الحياة في جدبها، وقحطها وشهد تفتح أزهارها، ما زال يمارس مهنة الصيد، ولكن ليس بالحماس نفسه، «قديماً كان الرزق قليلاً، ومع ذلك كنا نأكل ونطعم جيراننا ونلبس ونعيش بفرح، ليت الأيام تعود، لا أنسجم مع هذه الحياة كثيراً».

للذكريات ألون مختلفة، وخطوط تتقاطع مع الأحلام والأمنيات، ولكنها تتوحد في الهدف، فهي ابتعاث لأجمل اللحظات، واستحضار لفرح غائب، وقد يكون كلام القلب مغايراً لتفسيرات العقل، فالدراسات تشير إلى أن المخ لديه القدرة على استرجاع الذكريات الحزينة والمؤلمة بصورة أكثر سهولة وسرعة من الذكريات السعيدة، كما استفاض العلماء في ذلك فوجدوا أن المشاعر الحزينة والسلبية تزيد نشاط مناطق خاصة بالمخ تتعلق بالذاكرة.

حيث يتم تخزين هذه الذكريات بتفاصيلها الدقيقة أكثر من الذكريات السعيدة أو حتى المحايدة، قد تبدو إرادة الإنسان أكثر تفاؤلاً من الدراسات والأرقام والأبحاث، فالبشر على اختلاف فئاتهم العمرية، وأجناسهم وثقافاتهم، يجدونها مبعثاً للأمل والتفاؤل، ولعل أكثر ما يميزها، انها ذكريات، حقنة تحت الجلد، ومسكن مؤقت.

أمل الفلاسي