يبدو أن الصدفة وحدها هي التي جمعتهما في ذلك اليوم حيث جعلته المفاجأة يتسمر على بعد خطوات قليلة من نقطة تجاوزه لها ثم يستدير بشكل خاطف نحوها هاتفاً: «سمر»؟ أنت «سمر» أليس كذلك؟.. وكانت هي الأخرى قد تجمدت على بعد خطوات منه..
ولكنها لم تلتفت إلا بعد أن سمعت باسمها... وتوازنها الذي كادت أن تفقده عندما التقت عيناهما دفعها للاستناد إلى حافة أنية الزهر الكبيرة في مدخل مركز التسوق.. المشهد كان لافتاً لعدد من الذين تصادف مرورهم في تلك اللحظة.. وحدي دفعني الفضول لمتابعة المشهد بتظاهري بالفرجة على ما يعرضه الكشك الصغير في منتصف ردهة المركز، فيما اكتفى الآخرون بإلقاء نظرة متفحصة على بطلَي المشهد وتابعوا طريقهم...
الخطوات الأربع التي كانت تفصل بينهما خطاها بلمح البصر ليقف أمامها تاركاً لعينيه تلمس وتفقد الملامح الأثيرة التي أضاعها عندما نجحت غيمة رمادية في اختطافها ذات يوم..
- عشرة أعوام؟
- وثلاثة أشهر.
- كنت متأكداً أنني سأراك ذات يوم.
- وأنا كذلك.
- بحثت عنك كثيراً.
و.. وانهارت مقاومتها التي تبدت في اللحظات الأولى بنظرات جادة حيناً أو محايدة ومبعثرة في شتى الاتجاهات حيناً أخر.. الدموع سالت من عينيها على نحو يبدو أنه كان مفاجئاً لها، فأشاحت بوجهها بسرعة نحو آنية الزهور حتى لا تلفت انتباه أحد، فيما وقف هو مطرقاً برأسه يغالب مشاعر تطحنه برفق منتظراً عودتها من معانقة آنية الزهور بعينيها
- أنت كما أنت.
- وأنت الشخص نفسه.
- كنت متأكداً بأنك لن تتغيري وبأنني سأعرفك فوراً لدى رؤيتي لك.
- أحسست بأنني سأراك قبل أن نلتقي.
- كأن الزمن لم يمر.
- بل مرّ للأسف وسحق أشياء كثيرة.. لماذا لم تفعل شيئاً في ذلك اليوم؟
.. قالتها بلهجة حانية رغم محاولتها الفاشلة لاستعادة رباطة الجأش..
والنظرة الملحة التي أرسلتها إليه جعلته يتراجع عن محاولته التهرب من الإجابة..
- وماذا كان بيدي لأفعله؟
وبصيحة حاولت كتمانها والتخفيف من حدتها: ألم تكن مشاعرنا سلاحاً بأيدينا؟
- نعم ولكنها لم تكن كافية، لأنني كنت حديث التخرج ولم أشتغل بعد.
- كان يمكن تدبر الأمر والاكتفاء بالخطوبة.
ـ وكيف سنتدبر إصرار والدكِ على زواجك من ابن عمك الذي كنت قد سُجلت باسمه منذ الطفولة.
- كان من الممكن أن نهرب معاً.
- ألا تعرفين العاقبة عندنا لمثل هذا السلوك؟
بصوت خفيض قالت: ربما أفضل مما حدث معنا لاحقاً!
- ربما.. ربما.
لم أستطع متابعة أخبارك لأنني سافرت إلى أميركا مع زوجي ولم أعد إلى المنطقة إلا منذ سبعة أشهر فقط وهي الفترة التي حضرت مع زوجي فيها إلى دولة الإمارات، فماذا حدث معك؟
- تزوجت منذ ثلاثة أعوام فقط، وكانت إنسانة صبورة تحملت رؤيتي مستغرقاً في التفكير لساعات طويلة.
- وبماذا كنت تفكر كل تلك الساعات؟
يشيح بوجهه نحو أنية الزهور، وتطرق هي برأسها منتظرة عودته من عناق الآنية مجدداً..
- ولماذا تأخرت كل هذا الوقت لتتزوج، ألم تتحسن ظروفك إلا مؤخراً؟
- لا ليس هذا هو السبب.
- ما هو السبب إذاً؟
- في الواقع كنت دائماً أحلم، وأحمل أملاً بأن يلتئم شملنا مجدداً.
- ألم تقتنع بأن ذلك مستحيل وبعد كل تلك السنين؟
- بلى، وتقلص الحلم إلى حد رؤيتك فقط.
- ولكنك لم تراني وتزوجت!
- ولكنني انفصلت عنها بعد أقل من عام.
- لماذا؟
- لأنها فقدت القدرة على تحمل رؤيتي مستغرقاً في التفكير.
حالة الصمت المشحونة بالعواطف التي سادت بينهما قطعها رنين هاتف «سمر» وبدأت ترد على المتحدث في الطرف الآخر.. نعم هي تلعب مع الأطفال، وعندما أنتهي سأعود وإياها إلى البيت.. لن نتأخر.. وتطاير سؤاله: وماذا بعد؟ في سماء الضجيج الذي أحدثه صوت ضحكات طفلة ألقت بنفسها بين يدي «سمر».. هذه هي ابنتي.. وابتلع سؤاله وسمح لنفسه بتأملها (ربما للمرة الأخيرة) وهي تغادر ممسكة بقوة بيد ابنتها تقاوم بصلابة النظر للخلف..
وفيما كانتا تغادران رن هاتف متحرك لأحدهم صادحاً بصوت فيروز.... كيفك إنت..ملا إنت.. شوبدي بالبلاد.. الله يخلي الولاد.. إيه كيفك انت.. ملا انت.
خالد اللوباني
