«أموت رعبا من الأماكن الضيقة، اشعر بالاختناق وبالخوف الشديد وقد تعودت أن أنام وباب غرفتي موارب»، هكذا بدأ الرجل المرتبك حديثه في لحظة نادرة من لحظات المكاشفة، فقد آثر أن يخفي مخاوفه في مجتمع لا يحترم الخائفين، لكن الموقف كان أكبر من تكتمه، ولم يكن البقاء في المصعد العالق عند الطابق السادس تجربة ممتعة له، لذا انفجر أمامي مصرحاً بمخاوفه بعد أن أعيته الحيل في إيجاد طريقة لفتح باب المصعد.

كنت خائفة مثله وربما أكثر فلدي تجربة مع المصاعد المعطلة، لكني وجدت نفسي أمسك بزمام الأمور، وأتخذ دور شهرزاد المطمئنة الهادئة التي تؤجل الموت بالحكايات، فقلت للرجل اهدأ قليلا فأنت لست وحدك هنا، ولم يمر على وجودنا في المصعد سوى ربع ساعة، لا تقلق سيأتي الفنيون ويصلحونه، هل تعرف أن الصيني مينغ كوانغ تشين ظل عالقا في أحد مصاعد نيويورك أربعة أيام بالتمام والكمال لكنه بقي حيا ولم يصب بأي أذى؟

كانت حكايتي الأولى كارثة على الرجل فقد اضطرب مرة أخرى وصار يصرخ، هل تريدين مني أن أبقى أربعة أيام في هذا المصعد؟ هل تنوين قتلي؟ ما الذي يجعلك تزيدين رعبي؟ أنستني حالة الرجل المرعوب مأساتي وأنا التي علقت في المصعد الذي كان يجب أن يوصلني إلى أول مقابلة عمل لي، فكرت بالصمت وتجاهل الرجل فوضعه النفسي لا يسمح بالحديث.

بدأت أشعر بالحر وحاولت أن أتصل بهاتفي المتحرك لكن الإرسال مقطوع وكذلك الكهرباء، كنت أسمع ضربات الأرجل على السلالم في الخارج فبدأت أضرب أبواب المصعد لعلهم يسمعوني، ومع كل تصرفاتي غير المجدية، كان الأمل يقل مع كل دقيقة والرجل الوحيد معي مكوم في زاوية المصعد يضع يديه فوق رأسه مستسلما ليأس ورعب سيطرا على كل قواه.

وأنا التي ترددت قبل دخولي المصعد كوني سأكون معه وحدنا لكن الرغبة باللحاق بموعدي جعلتني أتجاهل كل المحاذير حين كنت أقول لنفسي أنها دقيقة واحدة فقط، وهاهي الدقيقة تقترب من الساعة ولا أحد يدري عنا شيئا فلا جرس المصعد يعمل ولا شيء هناك سوى الانتظار.

أعرف أن أمي الآن تكاد تموت من القلق وهي تتصل بي فتجد أن هاتفي مغلق، بدأت أبكي ولكني أحاول تجنب استفزاز الرجل الخائف لئلا يثور بي مرة أخرى، رفع رأسه نحوي وسألني هل أنت خائفة مثلي، أجبته: نعم أنا خائفة وقلقة على أمي وأريد الخروج من المكان، هل تعتقد أنك الخائف الوحيد في هذا الكون؟ نعم خائفة.

أجاب: أعتذر عن تصرفي لكني لم أهيئ نفسي لهذا الموقف وقد فرحت في البداية لوجودك معي في المصعد لأني لا أحب أكون وحدي هنا. هدأت قليلا فمن المفيد أن يكون هناك من تتكلم معه في تلك المواقف، بحثت في ذاكرتي عن قصة أخرى أرويها فلم أجد إلا قصة الفتاة الفرنسية التي عثرت عليها أسرتها بعد أربعة أيام عالقة في مصعد بنايتها، فأبعدت القصة عن رأسي وحاولت تذكر شيء آخر.

وتذكرت قصة الشاب الفلسطيني الشجاع الذي لقي مصرعه في محاولة لإنقاذ طفل عالق في المصعد، استبعدت القصة فهذه الأمثلة أصبحت نادرة الوجود الآن، تذكرت حكاية الأم وابنتها اللتين... تعوذت من الشيطان وقررت أن أتخلى عن دور شهرزاد الذي يبدو أني لا أجيده وفكرت أني لو كنت أروي لشهريار حكاياتي لقتلني منذ الليلة الأولى قبل الألف.

صمتُّ محاولة أن أسمع شيئا لكن حركة مفاجئة هزت المصعد الذي عاد إلى العمل بشكل طبيعي ليفتح أبوابه عند الطابق السادس، فلم نصدق أننا خرجنا منه، هرعت مهرولة إلى السلم لأخرج من البناية وأنا أحمد ربي أن شقتنا الصغيرة في الطابق الأول وهي لا تحتاج إلى مصعد لبلوغها.

دلال جويد