قال الشيخ: لا ينتظر من الداعية إلى الله الذي قلنا إن الأصل معقود عليه في إنقاذ الأمة أن يكون «حربجياً» ـ والحربجي مؤلفة من حرب وجي وهذه الأخيرة من بقايا اللغة التركية تضاف إلى آخر الكلمة لتفيد الاختصاص والمهنة.

وفي قولنا هنا نعني أن الداعية لا يمكن أن يكون محباً للحرب أو العنف طالباً لهما ومقدمهما على ما سواهما من الحلول الذكية وقد أثبت العنف عبر تاريخ البشرية أنه لا ينفع ولا يجدي وأن الكلمة الطيبة والقول الحسن في موضعهما يفتحان أبواب الخير والحق ويحققان أحسن النتائج.

الحق سبحانه وتعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ((فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر)) ويقول له في موضع آخر ((ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك))... ومع ذلك يصر نفر من الدعاة أن يرسلوا «اللعنات» أينما حلّوا مكفرين هذا ومفسقين ذاك، وهم يعيشون في عقولهم أحوالاً ووقائع ليس لهما في أرض الواقع نظير، حتى إذا صدمتهم الحقائق وتفتحت عيونهم شعروا أنهم كانوا يلاحقون الأوهام ويعيشون في الأحلام.

أول ما يقال أيها الدعاة الكرام أننا قد اتفقنا أولاً على أنكم أطباء لا قضاة، وثاني ما يقال أن مدنكم الفاضلة التي تعيش في أذهانكم-وقد يكون منها أو معظمها ما هو خير نسعى إليه جميعاً- تحتاج إلى جهود سنين إن لم نقل عشرات السنين لكي يتحقق، وبناء الحضارات يستغرق زمناً طويلاً لا يقدر بالسنوات القليلة .

وهي أمانة تتناقلها الأجيال فيستلم كل جيل لاحق نتائج ما وصل إليه الجيل السابق، فالأمر إذن ليس من قبيل عصا موسى عليه السلام الذي هوى بها فظهر الحق وزهق الباطل وأكلت العصا أفاعي السحرة وضلالاتهم، الأمر يحتاج إلى نفس طويل وصبر جميل وعمل ثقيل واحتساب عند الجليل.

وما دمتم أيها الدعاة تنطلقون في دعوتكم من المدن الفاضلة التي توجد في أذهانكم وتنسون الوقائع أو تتناسوها فلا تحللون ولا تتأملون، فإنكم ستبقون تهدرون جهودكم وأوقاتكم وقد تنطحون الصخر برؤوسكم فلا تخرجون إلا بدمائكم وقد ملأت وجوهكم وأجسادكم، وتكونون بهذا شهداء جهلكم وتفريطكم بالنظر السليم والأمة تحتاج إلى كل واحد منكم.

هذا وقد شاع في أيامنا نوع من الدعاة أساءوا فارتد ذلك عليهم وعلى من حولهم بل وقد ظهر بعض من يحسب على الدعاة وعلينا كمسلمين من لا يفارق اللعن نطقه وأحاديثه، فهو إن استضيف لمدة عشر دقائق في برنامج تلفزيوني لعن وهدد، وشتم وتوعد، وبعض من يقوم على أمر بعض الفضائيات يروق له أن يقدم هذا على غيره تنفيراً للمسلمين وصدهم عن سبيل الله.

إن الناس بحاجة إلى لطف ورحمة الدعاة إلى الله، بل إن الفقهاء جميعاً أجمعوا على أنه لا يجوز الخروج على الحاكم المسلم وإن فسق، ما لم يجاهر بكفره، فما بالك بشباب يتطلعون إلى أن يكونوا دعاة إلى الله، فإذا صاروا اجتمعوا على تكفير الناس وتأثيمهم، ثم راحوا ينابزون الناس بالألقاب البشعة.

لا يحتاج الأمر إلى كثير كلام، ولكن ما يجب التأكيد عليه هو أن نطّح الجبال لا يجدي، وزحزحة الصخور العظيمة بالأيدي القليلة الضعيفة لا يفيد، والأحلام يجب تحويلها إلى أهداف مرتبة يحققها كل داعية أو هم جميعاً واحداً واحداً، فكلما تحقق واحد سلم الناس إلى أخرى، أما القلوب التي تنضح بالعداء والبغض والشر فإن القلوب لا تنضح إلا بما فيها، وقلب يملؤه مثل هذا لا يمكن أن يكون مناراً بنور الله.

لا يعني كل هذا اننا نقول أن الأبواب مفتحة للدعاة، وأنه لا يوجد من يعادي الحق بكل ما هو شرس ووقح، ولكن هؤلاء بكل الموازين هم أقوى وأكثر عدداً وعدة، وعدّتهم منابر عظيمة في الإعلام والصحافة والكتب وغيرها، فهلا أخذنا بأسباب النصر على أمثالهم بأن نتعلم علومهم ونفهم خططهم ونحسن محاورتهم ثم نسلم أمورنا لله القادر على كل شيء.

ماهر سقا أميني