أكد سماحة الشيخ السيد علي الهاشمي مستشار صاحب السمو رئيس الدولة للشؤون القضائية والدينية أن المسلمين منذ فجر الدعوة الإسلامية يعتبرون الحوار والبلاغ هما سبيل التعاون على البر والتقوى وقال إن الدين الإسلامي حظي بدعاة لهم قدرات عالية، ومواهب عظيمة، حملوا راية الإسلام، ونشروا دعوته، وأخذوا عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه اتجاهاته وإرشاداته، واندفعوا ينشرون الإسلام بقوة وحققوا نجاحا عظيما.

وأضاف سماحته في الكلمة التي ألقاها في مؤتمر رابطة العالم الإسلامي الذي عقد بمكة المكرمة في خلال الفترة من الرابع ولغاية السادس من الشهر الحالي أن جيل الفتوح كانوا يلتحقون بالجيش الإسلامي، فإذا وضعت الحرب أوزارها نشط هؤلاء العلماء يدعون للإسلام، وينشرون مبادئه، وقد استجاب الناس لهم هنا وهناك ممن كتب الله لهم الفوز في الدنيا والآخرة، وبجهد أولئك الدعاة بعد توفيق الله فقد اخذ الإسلام ينتشر في العراق وفارس والشام ومصر والشمال الإفريقي في فترة وجيزة من الزمن.

وذكر أن هناك سببا آخر مهم ساعد أيضا على نشر الإسلام في القرن الهجري الأول، هو بساطة العقيدة الإسلامية وصفاؤها وبعدها عن التعقيد، وعن وسيط يقف بين المرء وربه، فالإنسان في الإسلام له صلة مباشرة بالخالق الأعظم يناديه ويناجيه، ويصلي له ويستغفره، وهو اقرب إليه من حبل الوريد.

وأكد الهاشمي أن الإسلام عني بعلاقة الإنسان بربه، وبعلاقة الإنسان بالإنسان، وفي هذا المجال قدم الفكر الإسلامي صورة جديدة للأخلاق، فحذر من الظلم والعقوق والرشوة والكبر والتجسس والغرور وكل نوازع الشر وألزم اتباعه بالصدق والأمانة والمساواة والعدالة وغيرها من الصفات الحميدة والتي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأرشدت إلى هذه الأخلاق سنة الرسول صلى الله عليه وآلة وسلم مما ساعد على انتشار الإسلام في القرن الهجري الأول.

واستشهد بقول «بيير مارتن» الذي يقول فيه إنه عندما انتشر الإسلام في العصور الأولى، ظل المسلمون الأوائل أوفياء للمبادئ الإسلامية الأصيلة، فظهر مجتمع خال من الارستقراطية، فكان البدوي «الجاف الطبع» يستطيع أن يطرق مجالس عمر «وغيره من الخلفاء» ويحادثهم، وأحيانا يعترض على أرائهم، وهذا قد أشاع في المجتمع روح المساواة والمشاركة المسماة «بالديمقراطية»، وهي ظاهرة لم يكن العالم قد عرف لها مثيلا من قبل، وهذا الوضع مكن الإسلام أن ينتشر بسرعة، وان تثبت جذوره في البلاد التي انتشر فيها.

وأكد مستشار صاحب السمو رئيس الدولة أن غرض الحوار هو أن نبرز قيم هذا الدين العظيم، والذي حال ما مر بالبشرية من أحقاد دينية وأطماع دنيوية دون أن يتمتع سكان القارة الأوروبية بما في الإسلام من عدالة ويسر وإيمان عميق يمنح النفوس الطمأنينينة والسعادة في الدارين، ويبعد المتاجرين بتخويف الناس من الإسلام وأهله.

وقال تجدر الإشارة والإشادة بالدعوة الإسلامية في قارة آسيا وإفريقيا، فقد استفاد سكان القارتين من طرق التزكية التي يتمتع بها تلك الوفود من العلماء المهاجرين في سبيل نشر الدين متخذين التنمية الاقتصادية وتحسين أوضاع السكان سبيلا وطريقا يمهد دعوة الناس إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، ومتخذين من الطرق المهتمة بالجانب العاطفي من الدين، سبيلا للتوعية، وطريقة لهداية الناس.

ثم إن زهد أولئك العلماء وبعدهم عن كل ما يكدر صفو العقيدة، قد أفاد هذا النوع من التوجه بان الله تبارك وتعالى قد فتح لأولئك العلماء والعباد والزهاد القلوب والنفوس، ومهدوا للإسلام فتوحات واسعة. وقال مع كل هذا فقد وجد الإسلام مكانا بأوروبا في العصور الوسيطة، ثم في العصور الحديثة، وكانت وسائل انتشاره في العصور الوسيطة تعترضها قوات غاشمة ظالمة جعلت من الصليب ومن الدين ستارا لظلمها وبطشها، ومع ذلك دخلت أفواج كبيرة في دين الإسلام.

وأضاف أما في العصور الحديثة فكان من أهم وسائل انتشار الإسلام، التقاء بعض الأوروبيين من ذوي الثقافة الواسعة بدعاة من المسلمين الموهوبين، أو بكتب واضحة عن الإسلام، كما انتشر لأسباب أخرى جذبت الكثيرين من الأوروبيين لدين الإسلام وعندما نتصفح تاريخ العصور الحديثة في أوروبا نجد العلامة المؤرخ «غوستاف لوبون» يؤكد أن معركة بلاط الشهداء لم تضع حدا لتقدم العرب، كما يزعم كثير من المؤرخين، بل ان المسلمين سرعان ما أفاقوا من هول الهزيمة، واخذوا يستردون مراكزهم السابقة.

واستعرض عددا من محاورات الرسل إلى أقوامهم، فقال إننا نجد أن اللطف في الدعوة، والمجادلة بالتي هي أحسن كان سبيل أولئك الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ،وقدوتنا نبي الرحمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد وصفه ربه بقوله «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر»، ثم يأمره بقوله «واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين».

وحين أرشده بقوله «فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر» واستشهد بمحاولات عدد من الرسل مع أقوامهم أمثال نوح وصالح وثمود عليه السلام وهم يخاطبون أقوامهم بلين ورفق عل الله يهديهم للإيمان مشيرا إلى أن القرآن أتى بالرحمة والمودة والتي هي من أوصاف الله في دعوة الرسل لأقوامهم من اجل تغليب صفة الرفق في حواره معهم.

وحذر من أن بعض المحاورين من الكتاب والمفكرين وأصحاب الدعوات والمبادئ يفتقدون الرفق واللطف في الحوار في أحيان كثيرة، ويظنون أنهم بالخشونة ورفع الصوت يستطيعون إقناع غيرهم أو إسكاتهم. وقال إن الكلام الموضوعي، والحديث المؤدب يدعوان إلى الألفة ويبعثان على راحة النفس والأنس، وان أدب الخطاب يوجب التوقير والتقدير مهما اختلفت الآراء وان أسلوب الحوار يجب أن يكون واضحا ومفهوما ليكون له ثمرة.

ومن ورائه نفع، وليقتنع الذي يتابع الحوار أن وقته لم يذهب سدى وكذلك احد إطراف المحاورين يقتنع برأي الأخر، المهم انه لكي يتم ذلك لابد من تحديد المفاهيم مع سياق الأدلة. وأكد أن رسالات السماء تؤكد دائما على نشر التسامح بين الناس، حفاظا على أخواتهم الإنسانية، لأن الدين في حد ذاته يدعو إلى الأخلاق الكريمة، والصفات النبيلة، والمعاملة الحسنة «فالدين المعاملة».

لذلك فإن الدين يحث أتباعه إلى أن يجلسوا مع بعضهم لحل أي صراع ينشب بينهم وذلك عن طريق الحوار الحضاري وتفعيله، ولن يكون الحوار هادفا وعاملا أساسيا في إزالة جو التوتر والقضاء على الصراع حتى تظهر بوادره ويكون ذلك بحرص المشتركين وإخلاصهم على إنجاح الحوار، وتفهم المشكلات المتبادلة بين الإطراف، على أنه يجب أن يركز الحوار على إشاعة القيم الأخلاقية واحترام الرصيد الحضاري لكل شعب.

وأضاف أن القيم الحضارية هي قاسم مشترك بين مختلف الأمم، ولكن هناك عوامل اجتماعية وظروف مناخية واختلاف في الألوان واللغات، وتباين بين بعض الشعوب، فيكون محور الحوار هو إيجاد إطار حضاري علمي مشترك بين الإطراف، ثم يكون الاحترام المتبادل لكل حضارة قامت بذاتها مع إيجاد جو من التفاعل بين هذه الحضارة وغيرها، لأن لكل أمة خصائص في حضارتها تجسد معطيات الأمة بما يلبي طموحاتها وتطلعاتها، والحفاظ على قيمها وثقافتها.

إبراهيم السطري